درعا/ رجاء مختار
في أحد أقسام الطوارئ بمشفى حكومي بمدينة درعا، تحمل هدى (32 عاماً) بين الممرات الضيقة، بين يديها طفلها البالغ من العمر أربع سنوات، الذي يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، تنتظر الأم اليائسة طبيب أو ممرض يعالج ابنها، لكن الزحام والفوضى وغياب التنظيم يجعلان مهمتها شبه مستحيلة.
“منذ ساعتين ونحن هنا، ولم يفحصه أحد بعد”، تقول هدى بصوت مرهق، بينما تحاول تهدئة طفلها الذي يبكي من شدة الألم.
المشهد لا يختلف كثيراً عما تعانيه المشافي الحكومية في المحافظة، حيث شحّ في الأدوية والمستلزمات الطبية، واختفاء للكوادر المؤهلة، وخدمات تشبه تلك المقدمة في العيادات الخاصة من حيث التكلفة، لكنها تفتقر لأبسط مقومات الجودة.
“حتى الكمامات الطبية والكفوف أصبحنا نشتريها من الصيدليات المجاورة”، تضيف هدى بغصة.
مدير أحد المشافي الحكومية في المنطقة، يوضح في حديث خاص أن الوضع الصحي “على حافة الانهيار”، ويقول: “نعاني من نقص حاد في كل شيء، بدءًا من المسكنات البسيطة وحتى أدوية الأمراض المزمنة. الإمدادات التي تصلنا من الوزارة لا تكفي لسدّ 10% من احتياجاتنا”.
ويضيف أن المشفى مضطر لفرض رسوم على بعض الخدمات مثل الأشعة والتحاليل “لمجرد الاستمرار في العمل”.
في قسم الأطفال، تروي مريم، التي رافقت ابنها للعلاج من التهاب رئوي، كيف اضطرت لشراء جميع الأدوية من الخارج. “حتى المحلول الملحي طلبوا مني إحضاره من الصيدلية”، تقول مريم، وتضيف أن الممرضات يعملن بأقصى طاقتهن، لكن “الموارد شبه معدومة، والضغط النفسي على الكوادر الطبية كبير جداً”.
أما في قسم الجراحة، فيكشف أحد الأطباء، فضل عدم ذكر اسمه، عن أن “بعض العمليات تأجلت لأيام بسبب عدم توفر صفائح ومسامير جراحية”، ويشرح أن “تكلفة هذه المواد مرتفعة جداً، والمشفى لا يملك القدرة على توفيرها دائماً”، ورغم أن الرسوم التي يفرضها المشفى على العمليات الجراحية أقل بكثير من تلك في القطاع الخاص، إلا أن الكثير من المرضى يفضلون اللجوء للعيادات الخاصة “حيث الخدمة أسرع والرعاية أفضل”.
الوضع الأمني داخل المشفى ليس بأفضل حالاً أحد حراس المشفى، الذي رفض الكشف عن هويته، يصف الأجواء بأنها “مكهربة”.
“كثير من المرافقين يدخلون الأقسام حاملين السلاح، ولا نستطيع منعهم”، يقول الحارس. ويضيف أن “الكادر الطبي يتعرض للشتائم والتهديد بشكل يومي، والشرطة ترفض التدخل في معظم الأحيان”.
أما في قسم التوليد، فتوضح القابلة القانونية آمنة عبد الله أن “الولادات الطبيعية أصبحت نادرة، لأن معظم النساء يفضلن الولادة في المنزل بمساعدة قابلة، خوفًا من سوء الخدمة في المشفى”. وتشير إلى أن “التكاليف ارتفعت بشكل كبير، والكثير من العائلات لم تعد قادرة على تحملها”.
في غرفة العمليات، يوضح طبيب التخدير أن “مواد التخدير الأساسية شبه منعدمة، ونضطر أحيانًا لاستخدام بدائل أقل فعالية”. ويضيف أن “الأجهزة الطبية قديمة، وكثير منها معطّل، ما يزيد من مخاطر العمليات”.
أحد المسؤولين في مديرية الصحة، فضل عدم ذكر اسمه، أكد أن “الميزانيات المخصصة للقطاع الصحي لا تكفي حتى لشراء المواد الأساسية”.
ويقول: “نحاول تأمين الأدوية الأكثر ضرورة، لكن الطلب يفوق العرض بكثير”. ويشير إلى أن “الكثير من الكوادر الطبية غادرت البلاد، والذين بقوا يعملون في ظروف صعبة جداً”.
في العيادات الخارجية، ينتظر عشرات المرضى لساعات طويلة للحصول على استشارة طبية. أحد المرضى، الذي يعاني من مرض السكري، يقول إنه “لم يحصل على دواء الميتفورمين منذ شهرين”. ويضيف: “كل مرة يقولون لي الدواء غير متوفر، وعليّ شراؤه من الصيدلية بسعر مرتفع”.
أما في قسم الأشعة، فيشرح فني الأشعة أن “الجهاز يعمل بشكل متقطع بسبب انقطاع الكهرباء ونقص المواد اللازمة للتصوير”. ويقول: “أحياناً نضطر لإرسال المرضى إلى مراكز خاصة لإجراء الفحوصات، لأن جهازنا لا يعمل”.
في نهاية اليوم، تغادر السيدة هدى المشفى حاملة وصفة طبية مليئة بالأدوية التي عليها شراؤها من الخارج. “جئت إلى المشفى الحكومي لأوفر بعض المال، لكنني في النهاية سأدفع أكثر”، تقول هدى وهي تغادر باب المشفى، حيث تنتظرها رحلة جديدة في البحث عن أدوية قد لا تجدها.