لكل السوريين

عنب حمص بين الجفاف والتحول الزراعي.. مزارعون يبحثون عن بدائل أقل استهلاكاً للمياه

حمص/ بسام الحمد

في سهول حمص الخصبة التي اشتهرت لعقود ببساتين العنب الممتدة، يعيش المزارعون هذه الأيام أياماً عصيبة مع موسم حصاد غير مسبوق من حيث انخفاض الإنتاج. فالجفاف المستمر وتراجع منسوب المياه الجوفية حوّلا العديد من البساتين المزهرة إلى أراضٍ شبه جرداء، في مشهد يؤشر لتحول جذري في الخريطة الزراعية للمحافظة.

يقف المزارع أبو علي من قرية الحولة بريف حمص الشمالي بحسرة أمام بستانه الذي كان ينتج في السابق أكثر من خمسة أطنان من العنب سنوياً. “هذا العام بالكاد جمعنا طناً واحداً” يقول الرجل الخمسيني وهو يلمس عناقيد صغيرة الحجم. “الآبار جفت والأمطار شحيحة، حتى مياه الري أصبحت تصلنا مرة كل عشرة أيام بدلاً من مرتين أسبوعياً كما كان معتاداً”.

هذه المعاناة ليست حكراً على أبو علي، ففي قرى ريف حمص الغربي مثل كفر نان وتلدو، يتكرر المشهد ذاته. المزارع محمد الحسن من بلدة تلبيسة يشرح كيف اضطر لاقتلاع ثلث أشجاره هذا العام: “بعضها مات من العطش، والبعض الآخر لم يعد إنتاجه يغطي تكاليف العناية به”. ويضيف: “بدأت بزراعة الزيتون مكان العنب، فهو يحتاج لري أقل ويثمر لسنوات أطول”.

الأرقام الرسمية تكشف حجم الكارثة. فبحسب مديرية الزراعة في حمص، انخفض إنتاج المحافظة من العنب هذا العام إلى حوالي 4500 طن، مقارنة بـ 7500 طن في الموسم الماضي، و20 ألف طن قبل عشر سنوات. كما تقلصت المساحات المزروعة من 850 هكتاراً إلى حوالي 600 هكتار خلال السنوات الخمس الماضية.

من جهته يؤكد المهندس وليد الحسين، رئيس دائرة الإرشاد الزراعي في حمص، أن “التغيرات المناخية تفرض واقعاً جديداً على المزارعين”. ويضيف: “نشجع التحول نحو زراعات أقل استهلاكاً للمياه مثل الزيتون واللوزيات، مع تطوير أساليب الري الحديثة لتوفير المياه”.

لكن هذا التحول ليس سهلاً كما يبدو. فاطمة، أرملة من قرية الرستن، تروي كيف أن تكاليف اقتلاع أشجار العنب وزراعة بدائل عنها تفوق إمكانياتها المالية. “العنب كان مصدر رزقنا الوحيد، والآن لا أملك المال لزراعة زيتون يحتاج سنوات حتى يثمر” تقول وهي تبيع آخر ما تبقى من محصولها هذا العام في سوق الخضار المركزي بحمص.

وارتفع في الأسواق المحلية، سعر كيلو العنب ليتراوح بين 6000 و8000 ليرة سورية، مقارنة بـ 4000-5000 ليرة في الموسم الماضي. لكن هذا الارتفاع لا يعوض الخسائر الفادحة التي يتكبدها المزارعون. التاجر معتز شعبان من سوق الحميدية يوضح: “الكمية القليلة المتوفرة جعلت الأسعار ترتفع، لكن المشترين أصبحوا أقل بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة”.

بعض المزارعين في قرى ريف حمص الجنوبي مثل القصير حاولوا التكيف مع الوضع الجديد من خلال تبني تقنيات ري أكثر كفاءة. أبو محمود من بلدة مهين استثمر في نظام الري بالتنقيط بمساعدة منظمة إغاثية دولية. “وفر لي النظام 40% من المياه، لكن التكلفة كانت عالية” يقول المزارع الذي ما زال ينتظر أن تثمر استثماراته.

في المقابل، لجأ بعض المزارعين إلى حلول تقليدية مثل زراعة أنواع من العنب أكثر مقاومة للجفاف، أو مزج زراعة العنب مع محاصيل أخرى مثل التين. أم ياسر من قرية عين النسر تشرح: “بدأت أزرع الخضروات بين صفوف العنب، فإذا فشل موسم العنب بسبب الجفاف، تبقى لدي الخضار التي تنضج بسرعة وتحتاج مياهاً أقل”.

هذه التحولات تثير مخاوف من اختفاء مشهد بساتين العنب الذي طالما اشتهرت به حمص. الدكتور نزار عطية، الخبير الزراعي، يحذر من أن “التحول السريع نحو زراعات أخرى قد يؤثر على التنوع البيولوجي وعلى التراث الزراعي للمنطقة”. ويضيف: “المطلوب هو إدارة متكاملة للموارد المائية وليس هجران زراعة العنب كلياً”.

في مكاتب اتحاد الفلاحين بحمص، يدور النقاش حول كيفية إنقاذ ما تبقى من قطاع إنتاج العنب. رئيس الاتحاد يطالب بـ “سياسات دعم واضحة تشمل توفير أنظمة ري حديثة مدعومة، وإعادة تأهيل الآبار، وتشجيع زراعة أصناف مقاومة للجفاف”.

- Advertisement -

- Advertisement -