دمشق/ مرجانة إسماعيل
تتحول المزارع الريفية في مناطق بلودان والزبداني وسرغايا والصبورة بريف دمشق إلى وجهة مفضلة للعائلات السورية التي تبحث عن متنفسٍ من حر الصيف وضغوط الحياة، بعيداً عن تكاليف السفر الباهظة إلى الساحل السوري. في هذه المناطق الجبلية التي تشتهر بمناخها المعتدل وطبيعتها الخلابة، تنتشر مزارع سياحية توفر للزائرين فرصة قضاء يومٍ هادئ بين أحضان الطبيعة، مع مسبحٍ خاص وخدماتٍ ترفيهية تناسب جميع الأعمار.
في بلدة بلودان، التي تبعد حوالي 50 كيلومتراً عن العاصمة دمشق، تتناثر المزارع بين التلال الخضراء، حيث يقصدها العائلات للاستمتاع بالهواء النقي والمناظر البانورامية التي تطل على وادي بردى. يقول أحمد الحلبي (38 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال من سكان دمشق: “لم نعد نستطيع تحمل تكاليف السفر إلى اللاذقية أو طرطوس، خاصة مع ارتفاع أسعار الإقامة والوقود. هنا في بلودان، نجد كل ما نحتاجه: طبيعة، مسبح، وخصوصية تتيح لنا الاسترخاء دون ازدحام”.
أما في الزبداني، التي تشتهر بغاباتها الكثيفة ومياهها العذبة، فقد تحولت العديد من المزارع إلى منتجعات صغيرة توفر خدمات متكاملة، بدءاً من المسابح المفلترة وصولاً إلى أماكن للشواء والجلوس العائلي. تقول سمر الدالي (34 عاماً)، وهي معلمة من ريف دمشق: “نفضل المزارع في الزبداني لأنها قريبة ولا تحتاج إلى سفر طويل. الأجواء هنا تشبه المصايف، لكن بتكلفة أقل بكثير”.
وفي سرغايا، التي تعد من أبرز الوجهات السياحية في ريف دمشق، تشهد المزارع إقبالاً كبيراً من العائلات التي تبحث عن الهدوء والخصوصية. تتميز سرغايا بمناخها اللطيف صيفاً، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 25 و30 مئوية، مما يجعلها خياراً مثالياً للهروب من حر العاصمة. يقول محمد العلي (45 عاماً)، صاحب إحدى المزارع في المنطقة: “العائلات تفضل الحجز عندنا لأننا نقدم خدمات مميزة، مثل المسابح النظيفة، أماكن مظللة للجلوس، وأحياناً ألعاب للأطفال. الأسعار تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية لليوم الواحد، حسب الخدمات المطلوبة”.
ولا تقل الصبورة، الواقعة على طريق دمشق-بيروت، جمالاً عن جاراتها، حيث تنتشر فيها المزارع التي تجمع بين الطبيعة الجبلية والخدمات الحديثة. تقول رنا الشامي (29 عاماً)، التي زارت إحدى المزارع مؤخراً مع عائلتها: “الشيء الجميل هنا هو أنك تشعر وكأنك في منتجع خاص، لكن بتكلفة معقولة. الأسعار تبدأ من 400 ألف ليرة لليوم، وهو مبلغ مناسب مقارنة بأسعار الفنادق أو الشاليهات في الساحل”.
مع تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار السفر، أصبحت المزارع الريفية خياراً مثالياً للعائلات ذات الدخل المحدود. فبينما تتجاوز تكلفة اليوم الواحد في شاليهات الساحل مليوني ليرة سورية، يمكن لقضاء يوم في مزرعة ببلودان أو الزبداني أن يكلف نصف هذا المبلغ أو أقل، مع الاحتفاظ بالخصوصية التي تفتقدها الأماكن العامة.
ويوضح علي المرشد (50 عاماً)، صاحب مزرعة في الصبورة، أن “الكثير من العائلات تفضل المزارع لأنها توفر خصوصية لا توجد في المسابح العامة أو الفنادق. لدينا عائلات تحجز عندنا بشكل أسبوعي، خاصة في فصل الصيف”.
من ناحية أخرى، أصبحت هذه المزارع مصدر دخلٍ مهم لأصحابها، حيث يحولها الكثيرون إلى مشاريع سياحية صغيرة تدرّ أرباحاً جيدة. تقول ليلى الحسين (42 عاماً)، التي حولت مزرعتها العائلية في سرغايا إلى منتجع صيفي: “الاستثمار في المزارع مربح، خاصة في فصل الصيف. نحن نقدم خدمات بسيطة لكنها كافية لجذب الزبائن، مثل المسابح وأماكن الاستراحة. العائلات تبحث عن أماكن نظيفة وآمنة لأطفالها، ونحن نوفر ذلك”.
رغم الإقبال الكبير، إلا أن أصحاب المزارع يواجهون تحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف الصيانة ونقص الوقود أحياناً، مما يؤثر على تشغيل المضخات والمولدات الكهربائية. يقول حسن القادري (55 عاماً)، وهو صاحب مزرعة في الزبداني: “أكبر مشكلة نواجهها هي تكاليف التشغيل. أسعار الوقود مرتفعة، وكذلك قطع الغيار. لكننا مضطرون للاستمرار لأن هذا المشروع أصبح مصدر رزق للكثير من العائلات في المنطقة”.
مع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، تبقى المزارع الريفية في بلودان والزبداني وسرغايا والصبورة خياراً آمناً ومريحاً للعائلات التي تريد قضاء وقت ممتع دون مغادرة ريف دمشق. فبين المسابح والحدائق الخضراء والهواء النقي، تقدم هذه المناطق ما يشبه “رحلة بحر مصغرة”، لكن بدون عناء السفر أو تكاليفه الباهظة.
كما أن القرب من العاصمة دمشق يجعلها وجهة مثالية للرحلات اليومية، حيث يمكن للعائلة الذهاب والعودة في نفس اليوم دون الحاجة إلى حجز فنادق أو إنفاق كبير. تقول أم يوسف (48 عاماً)، وهي ربة منزل من دمشق: “نحن نأتي إلى بلودان كل أسبوع تقريباً. الجو جميل، والأطفال يستمتعون بالمسبح، ونحن نستريح تحت الأشجار. هذا أفضل بكثير من البقاء في المدينة تحت الحر والازدحام”.
وبالسؤال عن هل يمكن لهذه المزارع أن تكون بديلاً كاملاً عن رحلة البحر؟ تختلف الإجابة من عائلة إلى أخرى. فبينما يرى البعض أنها حلٌ عملي ومناسب، يظل آخرون يحلمون بزيارة الساحل، حتى لو كان ذلك مرة واحدة في الصيف. يقول وائل (33 عاماً)، موظف من دمشق: “لا شيء يعوض البحر، لكن في الظروف الحالية، المزارع خيار جيد. نأتي هنا للاسترخاء، ونحتفظ بحلم العودة إلى الشاطئ عندما تتحسن الأوضاع”.