من اليمن إلى السودان.. البحر الأحمر يتحول إلى ممر لشبكات السلاح والنفوذ
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة داخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجياً إلى جزء من شبكة أمنية إقليمية أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها طرق السلاح والتهريب مع مصالح جماعات مسلحة وقوى إقليمية وشبكات إمداد تمتد من اليمن عبر البحر الأحمر وخليج عدن إلى القرن الأفريقي والساحل السوداني.
ومع استمرار الحرب ودخولها عامها الرابع، تتزايد المخاوف من أن يتحول البحر الأحمر إلى ممر مفتوح أمام انتقال الأسلحة والمعدات والخبرات، مستفيداً من اتساع رقعة السواحل وضعف الرقابة وتعدد القوى المسلحة وانهيار جزء من منظومات الدولة في مناطق النزاع.
حرب السودان تفتح طرقاً جديدة للسلاح
أدى استمرار القتال في السودان إلى خلق سوق واسعة للسلاح والذخائر والمعدات العسكرية والطائرات المسيّرة، في وقت أصبحت فيه الحدود والمناطق الطرفية أكثر صعوبة في السيطرة.
ولا تتعلق المشكلة فقط بمصادر الأسلحة التي تصل إلى أطراف النزاع، وإنما أيضاً بالطرق التي تسلكها تلك الإمدادات والوسطاء الذين يتولون نقلها وتخزينها وتمويلها.
وتشير تحليلات وتقارير متخصصة إلى أن الحرب دفعت باتجاه تنشيط طرق تهريب قديمة وإيجاد مسارات جديدة تربط السودان بدول الجوار، فيما أصبح البحر الأحمر واحداً من المساحات الأكثر أهمية في هذه المعادلة.
ويمنح الموقع الجغرافي للسودان أهمية استثنائية؛ فهو يمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، ويتصل بحدود مع مصر وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، ما يجعله نقطة تقاطع بين طرق برية وبحرية متعددة.
الحوثيون والقرن الأفريقي.. شبكة تتجاوز الحدود
في الجهة المقابلة من البحر الأحمر، رسخ الحوثيون في اليمن حضوراً عسكرياً وأمنياً متزايداً، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط الملاحة الدولية.
وتحدثت تقارير ودراسات عن علاقات واتصالات بين الحوثيين وشبكات تنشط في القرن الأفريقي، بما في ذلك جماعات مسلحة ووسطاء متخصصون في عمليات التهريب، وسط مؤشرات على تبادل محتمل للأسلحة والخبرات والخدمات اللوجستية.
ولا تعني هذه المؤشرات بالضرورة وجود تحالف موحد بين جميع الأطراف، إلا أنها تكشف عن بيئة أمنية باتت تسمح للجماعات المسلحة بالاستفادة من بعضها بعضاً، عبر شبكات غير رسمية يصعب تحديد قيادتها أو طبيعة علاقاتها بصورة دقيقة.
وتزداد أهمية هذه الشبكات بالنسبة للحوثيين، لأن توسيع النفوذ لا يتطلب بالضرورة وجوداً عسكرياً مباشراً في أفريقيا؛ إذ يمكن تحقيق ذلك عبر وسطاء محليين وممرات بحرية وشبكات تهريب توفر الحركة والتمويل والخدمات اللوجستية.
وهنا تظهر إحدى سمات الصراعات الحديثة: النفوذ لم يعد يحتاج إلى السيطرة على الأرض بقدر ما يحتاج إلى السيطرة على الممرات والشبكات.
السودان وإريتريا واليمن.. مثلث شديد الحساسية
يمثل الساحل الشرقي للسودان حلقة مهمة في هذه المعادلة، إذ لا تفصل بينه وبين اليمن سوى مياه البحر الأحمر، فيما تقع إريتريا على الضفة الأخرى من الساحل السوداني.
وقد طرحت دراسات وتقارير أمنية فرضيات بشأن استخدام المنطقة مساراً محتملاً لحركة الأسلحة والمكونات العسكرية، مع حديث عن طرق تربط السودان وإريتريا واليمن.
لكن التعامل مع هذه المعلومات يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، خصوصاً أن بعض الادعاءات المتداولة حول مسارات محددة لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة وحاسمة.
ومع ذلك، فإن وجود عوامل جغرافية وأمنية متداخلة يجعل المنطقة بيئة مناسبة لنشاط شبكات التهريب، خصوصاً مع ضعف الرقابة على أجزاء واسعة من الحدود والسواحل.
البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى ساحة أمنية
تتجاوز أهمية البحر الأحمر قضية السودان واليمن، فهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس.
لكن الاضطرابات الأمنية المتلاحقة في المنطقة جعلت هذا الممر جزءاً من الحسابات العسكرية والأمنية للقوى الإقليمية والدولية.
وتأتي هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب عودة مؤشرات القرصنة قبالة السواحل الصومالية، لتضيف طبقات جديدة من المخاطر إلى بيئة أصبحت أصلاً شديدة التعقيد.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح تهريب الأسلحة أكثر سهولة عندما تتوافر سواحل واسعة، ومناطق يصعب مراقبتها، وموانئ ومرافئ متعددة، وجماعات مسلحة تمتلك خبرة في الحركة السرية.
إيران.. الحلقة الإقليمية الأوسع
يزداد تعقيد المشهد مع وجود إيران في خلفية منظومة الدعم المرتبطة بالحوثيين، إذ لطالما اتهمت طهران بتقديم دعم عسكري وتقني للحوثيين، وهو ما تنفيه إيران في بعض تفاصيله.
وتشير التقارير الدولية إلى أن العلاقة بين إيران والحوثيين تجاوزت الجانب السياسي إلى مستويات من التعاون العسكري والتقني، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وفي حال انتقال بعض الخبرات أو الموارد عبر شبكات غير رسمية إلى مناطق أخرى في القرن الأفريقي، فإن ذلك يعني أن الصراع لم يعد محصوراً داخل حدود اليمن، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى الضفة الأفريقية للبحر الأحمر.
لكن إثبات انتقال سلاح أو تقنيات محددة من مسار إلى آخر يتطلب أدلة موثقة، وهو أمر يظل صعباً في ظل طبيعة شبكات التهريب السرية.
الحرب السودانية.. سوق مفتوحة للسلاح
في الداخل السوداني، أدى استمرار القتال إلى زيادة الطلب على الأسلحة، مع وجود عدد كبير من الفصائل والقوى المسلحة التي تنشط بدرجات مختلفة في مناطق متعددة.
ومع تعدد أطراف الصراع، تصبح عملية ضبط حركة الأسلحة أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتحول بعض المناطق الحدودية إلى نقاط إمداد أو تخزين أو عبور.
كما أن استمرار الدعم الخارجي لأطراف النزاع، أياً كان مصدره، يطيل أمد الحرب ويقلل فرص التوصل إلى تسوية سياسية، لأن تدفق السلاح يمنح الأطراف المتحاربة قدرة أكبر على مواصلة القتال.
وهكذا، تتحول الحرب من دائرة داخلية إلى منظومة إقليمية: أسلحة تدخل، وأموال تتحرك، ومقاتلون يتنقلون، وخبرات عسكرية تنتقل، بينما تبقى الحدود عاجزة عن وقف تدفق هذه الشبكات.
اقتصاد أمني عابر للحدود
المشهد الناشئ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يمكن وصفه بأنه اقتصاد أمني عابر للحدود، لا يعتمد على طرف واحد ولا يعمل وفق مسار واحد.
فالجماعات المسلحة تحتاج إلى السلاح، وشبكات التهريب تحتاج إلى المال، والوسطاء يوفرون طرق العبور، بينما تستفيد القوى الإقليمية من بعض هذه الشبكات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذا يجعل تفكيكها أكثر صعوبة من مواجهة تنظيم مسلح تقليدي؛ فالشبكة لا تحتاج إلى مركز قيادة واحد، وقد تستمر بعض حلقاتها حتى بعد تفكيك حلقات أخرى.
الخطر لا يهدد السودان وحده
الأخطر في هذه المعادلة أن استمرار الحرب السودانية قد يؤدي إلى ترسيخ بنية تهريب يصعب تفكيكها لاحقاً، حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
فكلما طال أمد الصراع، زادت خبرة الوسطاء وشبكات النقل، وتوسعت العلاقات بين الجماعات المسلحة، وأصبح السلاح جزءاً من اقتصاد محلي وإقليمي يصعب التخلص منه بسرعة.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة السودان لا يمكن أن تقتصر على وقف المعارك داخل المدن، بل تحتاج أيضاً إلى تجفيف مصادر التمويل والسلاح، وتشديد الرقابة على الحدود والموانئ، وتعزيز التعاون بين دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فالمعركة الحقيقية قد لا تكون فقط على الأرض السودانية، بل على الممرات التي تصل اليمن بالقرن الأفريقي، والساحل السوداني بشبكات السلاح الإقليمية.
وبينما تستمر الحرب في السودان، يتحول البحر الأحمر تدريجياً من ممر تجاري عالمي إلى ساحة تتقاطع فيها الحروب والتهريب والنفوذ. وإذا لم تنجح الدول المعنية في استعادة السيطرة على هذه الممرات، فقد يصبح السلاح المتنقل عبرها عاملاً دائماً في إعادة إنتاج الصراعات، لا في السودان وحده، بل في منطقة تمتد من اليمن إلى الصومال وإريتريا والساحل الأفريقي.