لكل السوريين

من التمرير المستمر إلى الخدر الليلي.. متى يصبح ألم اليد إنذاراً لمتلازمة نفق الرسغ؟

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال أو تصفح الأخبار، بل أصبح جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية، ما جعل اليد والمعصم في حالة حركة شبه مستمرة لساعات طويلة. ومع تزايد استخدام الهواتف، تظهر لدى بعض الأشخاص آلام في الأصابع أو راحة اليد والمعصم، قد تبدأ على شكل إجهاد بسيط، لكنها في بعض الحالات يمكن أن تتطور إلى أعراض عصبية أكثر وضوحاً، أبرزها الخدر والتنميل، وهي علامات تستدعي الانتباه لاحتمال الإصابة بمتلازمة نفق الرسغ.

ويؤكد مختصون أن المشكلة لا ترتبط بالهاتف وحده، وإنما بطريقة استخدامه ومدة الإمساك به ووضعية المعصم أثناء التصفح والكتابة، إضافة إلى عوامل صحية ومهنية يمكن أن تزيد من احتمالية ظهور المشكلة.

عندما يكون الألم مجرد إجهاد

الاستخدام المتواصل للهاتف، خصوصاً مع تكرار الكتابة والتمرير وتحريك الإبهام، يضع عضلات وأوتار اليد أمام جهد متكرر قد يؤدي إلى الشعور بالألم أو التشنج في الأصابع والمعصم.

وفي مثل هذه الحالات، لا يعني الألم بالضرورة وجود مرض عصبي، إذ يمكن أن يكون نتيجة إرهاق العضلات والأوتار بسبب غياب فترات الراحة أو استخدام اليد في وضعية غير مريحة لفترات طويلة.

ويُعد تخفيف الحمل عن اليد الخطوة الأولى للتعامل مع هذا النوع من الألم، من خلال تقليل مدة استخدام الهاتف، وتجنب الإمساك به بالطريقة نفسها لساعات، مع توزيع فترات الاستخدام على فترات أقصر تتخللها فواصل للراحة.

كما يمكن، عند الحاجة إلى متابعة محتوى الهاتف لفترات طويلة، استخدام خاصية عرض شاشة الهاتف على جهاز كمبيوتر أو شاشة أكبر، بما يقلل من الحاجة إلى الإمساك بالجهاز بصورة مستمرة.

وضعية المعصم قد تزيد المشكلة

لا تتوقف المشكلة عند عدد ساعات الاستخدام، إذ تلعب وضعية اليد والمعصم دوراً مهماً في ظهور الأعراض.

فثني المعصم لفترات طويلة أثناء الإمساك بالهاتف يمكن أن يزيد الضغط على المنطقة التي يمر فيها العصب الناصف داخل الرسغ. ولهذا فإن الحفاظ على المعصم في وضعية أقرب إلى الاستقامة، وتغيير اليد المستخدمة من وقت إلى آخر، وتجنب الضغط المستمر على الأصابع، تعد من الإجراءات البسيطة التي قد تساعد على تقليل الإجهاد.

كما يُنصح الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة أمام الكمبيوتر برفع الشاشة إلى مستوى قريب من النظر، لتقليل الانحناء المستمر للرقبة والظهر، وتنظيم وضعية الجلوس والعمل بشكل عام.

الخدر والتنميل.. علامة لا ينبغي تجاهلها

العلامة التي تميز الحالات العصبية عن الإجهاد العابر غالباً هي ظهور الخدر أو التنميل بصورة متكررة.

وتحدث متلازمة نفق الرسغ نتيجة انضغاط العصب الناصف أثناء مروره عبر قناة ضيقة في منطقة الرسغ، ما يؤدي إلى أعراض قد تشمل التنميل والخدر والألم في اليد والأصابع.

وقد تظهر هذه الأعراض خلال ساعات النهار، لكنها كثيراً ما تكون أكثر وضوحاً أثناء الليل، حيث قد يستيقظ الشخص من النوم بسبب شعور بالخدر في يده، ويميل إلى تحريكها أو هزها لمحاولة استعادة الإحساس الطبيعي.

وفي بعض الحالات قد يترافق الأمر مع ضعف في قبضة اليد أو صعوبة في الإمساك ببعض الأشياء، ما يجعل استمرار الأعراض أو تزايدها سبباً كافياً لاستشارة الطبيب.

الهاتف قد يزيد الأعراض ولا يكون السبب الوحيد

من المهم عدم اختزال متلازمة نفق الرسغ في استخدام الهاتف فقط، فهناك عوامل متعددة يمكن أن ترفع احتمالية الإصابة بها.

ومن بين هذه العوامل مرض السكري، وقصور الغدة الدرقية، وزيادة الوزن، والحمل، إضافة إلى بعض الاضطرابات الهرمونية والأمراض التي تؤثر في الأعصاب أو الأنسجة.

كما ترتفع احتمالية ظهور الأعراض لدى الأشخاص الذين تعتمد أعمالهم على الحركات المتكررة لليد والمعصم، مثل بعض الأعمال الزراعية والحرفية والأعمال المنزلية التي تتطلب استخدام اليدين لفترات طويلة.

وبالتالي، قد يكون الهاتف عاملاً يزيد الضغط على يد تعاني أصلاً من قابلية للإصابة، وليس بالضرورة السبب الوحيد للمشكلة.

كيف يتم تشخيص الحالة؟

يعتمد تشخيص متلازمة نفق الرسغ في الأساس على الاستماع إلى طبيعة الأعراض وإجراء الفحص السريري.

وفي الحالات التي تحتاج إلى تأكيد التشخيص أو تحديد شدة انضغاط العصب، قد يلجأ الطبيب إلى تخطيط الأعصاب ودراسة سرعة التوصيل العصبي، وهي فحوص تساعد على تقييم وظيفة العصب الناصف وتحديد درجة تأثره.

وتكتسب معرفة درجة الانضغاط أهمية في تحديد طريقة العلاج المناسبة، إذ تختلف الإجراءات المطلوبة في الحالات البسيطة عن الحالات المتقدمة.

الراحة قد تكون كافية في الحالات البسيطة

إذا كان الانضغاط بسيطاً وكانت الأعراض في بدايتها، فقد يكون تخفيف الضغط عن اليد والمعصم جزءاً أساسياً من العلاج.

ويشمل ذلك تقليل استخدام الهاتف، وتجنب الحركات المتكررة والمجهدة، وإراحة اليد خلال فترات العمل، إضافة إلى تصحيح وضعية المعصم أثناء استخدام الهاتف أو الكمبيوتر.

وقد يستخدم الطبيب وسائل أخرى بحسب حالة المريض وشدة الأعراض، لذلك لا يُنصح بالاعتماد على المسكنات وحدها أو الاستمرار في النشاط الذي يسبب الألم مع تجاهل الخدر والتنميل.

ومتى تصبح الخيارات العلاجية أكثر تدخلاً؟

في الحالات التي يكون فيها انضغاط العصب شديداً أو مستمراً، قد يحتاج المريض إلى خيارات علاجية إضافية يحددها الطبيب وفق نتيجة الفحص وتخطيط الأعصاب.

ومن الخيارات المتاحة في بعض الحالات الحقن الموضعي بالكورتيزون لتخفيف الالتهاب والضغط حول العصب، بينما قد يُطرح التدخل الجراحي لتحرير العصب عندما تكون الحالة شديدة أو لا تستجيب للعلاجات الأخرى.

ويُجرى تحرير العصب عادة عبر فتح المساحة الضيقة التي يمر فيها العصب داخل الرسغ، بهدف تخفيف الضغط عنه. ويحدد الطبيب مدى الحاجة إلى الجراحة بناءً على شدة الأعراض ونتائج الفحوص والحالة الصحية للمريض.

الوقاية تبدأ من طريقة استخدام الهاتف

يمكن تقليل إجهاد اليد والمعصم من خلال مجموعة من العادات اليومية البسيطة، أبرزها:

أخذ فترات راحة متكررة أثناء استخدام الهاتف.

تجنب إبقاء المعصم مثنياً لفترات طويلة.

تغيير اليد المستخدمة وعدم الاعتماد على يد واحدة طوال الوقت.

استخدام شاشة أكبر عند الحاجة إلى متابعة المحتوى لساعات طويلة.

تقليل الكتابة والتمرير المتواصلين قدر الإمكان.

إراحة اليد عند ظهور الألم وعدم الاستمرار في النشاط المسبب له.

الانتباه إلى الخدر والتنميل المتكرر، خصوصاً أثناء الليل.

ولا ينبغي اعتبار كل ألم في اليد دليلاً على الإصابة بمتلازمة نفق الرسغ، كما أن تجاهل الخدر المتكرر ليس خياراً مناسباً. فالفرق بين إجهاد عابر ومشكلة عصبية يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة الأعراض ومدتها وتكرارها.

ومع تحول الهاتف إلى أداة ملازمة للحياة اليومية، فإن حماية اليد لا تتطلب التخلي عنه، بقدر ما تتطلب تغيير طريقة استخدامه، وإعطاء العضلات والأوتار والأعصاب فترات كافية من الراحة، مع مراجعة الطبيب عند استمرار الأعراض أو ظهور علامات عصبية واضحة.

- Advertisement -

- Advertisement -