دخل العراق مرحلة جديدة من الضغوط الأميركية المرتبطة بالصراع مع إيران، بعدما بدأت واشنطن بتوسيع أدوات المواجهة من الساحة الإيرانية المباشرة إلى الدول التي ترتبط بطهران اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وفي مقدمتها العراق.
وتبدو بغداد في موقع بالغ الحساسية، فهي ترتبط بإيران عبر التجارة والطاقة والحدود والجغرافيا والنفوذ السياسي، في حين تعتمد في المقابل على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وعلى الدولار وإدارة عائدات النفط العراقية عبر النظام المالي الدولي. ومع تصاعد الضغط الأميركي على طهران، باتت هذه المعادلة المزدوجة أكثر صعوبة بالنسبة للحكومة العراقية.
ولا تقتصر الضغوط على الجانب الاقتصادي، إذ يتقدم ملف الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران إلى واجهة المشهد، مع دفع متزايد باتجاه حصر قرار السلاح بيد الدولة العراقية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة التي احتفظت بنفوذ واسع بعد سنوات الحرب على تنظيم «داعش».
المال.. السلاح الأبرز في مواجهة النفوذ الإيراني
تملك واشنطن أدوات ضغط اقتصادية مؤثرة على بغداد، أبرزها النظام المالي المرتبط بالدولار، وهو ما يجعل العراق أكثر عرضة لتداعيات العقوبات الأميركية من دول أخرى تمتلك بدائل مالية وتجارية أوسع.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة لا تركز فقط على العقوبات المباشرة ضد إيران، بل تحاول أيضاً منع استخدام دول الجوار كقنوات للالتفاف على العقوبات، مع التلويح بإجراءات تطال الأطراف التي تستمر في التعامل المالي والتجاري مع طهران.
ويُعد العراق حالة شديدة الخصوصية في هذه المعادلة، إذ تجاوز حجم التجارة بين العراق وإيران 10 مليارات دولار خلال عام 2025، بينما يعتمد العراق في قطاعات أساسية على واردات الطاقة الإيرانية، خصوصاً الغاز والكهرباء.
وبذلك تجد بغداد نفسها أمام معادلة صعبة: الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع إيران من جهة، وتجنب خسارة الوصول إلى النظام المالي العالمي الذي يشكل الدولار جزءاً أساسياً منه من جهة أخرى.
الفصائل المسلحة في قلب المواجهة
إلى جانب الاقتصاد، يمثل ملف الفصائل المسلحة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة الثلاثية بين واشنطن وبغداد وطهران.
فالولايات المتحدة تنظر إلى وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران داخل العراق باعتباره أحد أهم منافذ النفوذ الإيراني الإقليمي، بينما ترى بغداد أن استمرار تعدد مراكز القوة العسكرية يمثل تحدياً أمام بناء مؤسسات أمنية موحدة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم.
وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات على تشدد أكبر في التعامل مع بعض الجماعات المسلحة، وسط مساعٍ لإخضاع جميع التشكيلات المسلحة للسلطة الرسمية وحصر السلاح بالمؤسسات التابعة للدولة. كما ظهرت تقارير عن تحركات أمنية عراقية ضد مواقع تابعة لجماعات مرتبطة بإيران.
وتزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب الموعد المعلن لانتقال القوات الأميركية من العراق، إذ يتزامن الانسحاب العسكري مع استمرار الضغط السياسي على بغداد لإنهاء أي نشاط مسلح خارج سلطة الدولة.
بغداد بين واشنطن وطهران
لا تبدو مهمة الحكومة العراقية سهلة، فإيران ليست مجرد دولة مجاورة بالنسبة للعراق، بل ترتبط معه بحدود طويلة وشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فيما تمتلك الولايات المتحدة أدوات مالية وأمنية وسياسية تمنحها تأثيراً كبيراً في القرارات العراقية.
وقد أدى هذا التداخل إلى تحويل العراق تدريجياً إلى إحدى أبرز ساحات التنافس غير المباشر بين واشنطن وطهران.
وفي حال استمرار التصعيد الأميركي، فإن بغداد ستكون مطالبة بإعادة ضبط علاقتها مع طهران، ليس فقط في المجال العسكري، وإنما أيضاً في التجارة والطاقة والتحويلات المالية والحدود.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن واشنطن تختبر قدرتها على استخدام العراق كنموذج للضغط على الشركاء التجاريين لإيران، مستفيدة من اعتماد بغداد الكبير على النظام المالي القائم على الدولار. وإذا نجحت هذه السياسة، فقد تمتد الأدوات نفسها إلى دول أخرى تواصل علاقاتها الاقتصادية مع طهران.
خطر انتقال الصراع إلى الداخل العراقي
المشكلة الأساسية بالنسبة للعراق لا تتعلق فقط بقدرته على الاستجابة للمطالب الأميركية، وإنما أيضاً بقدرته على منع تحول الصراع الأميركي الإيراني إلى مواجهة داخلية.
فأي تصعيد بين واشنطن والفصائل المسلحة يمكن أن يضع المؤسسات العراقية في موقف حرج، خصوصاً إذا حاولت الحكومة فرض قرارات تتعلق بالسلاح أو النشاط العسكري في مواجهة جماعات تمتلك قواعد شعبية وسياسية وأمنية.
وفي المقابل، فإن استمرار الفصائل خارج إطار القرار الحكومي قد يمنح الولايات المتحدة مبرراً إضافياً لتوسيع الضغوط والعقوبات، ويضع العراق أمام مخاطر اقتصادية وأمنية لا ترتبط مباشرة بمصالحه الوطنية.
وقد شهد العراق خلال مراحل سابقة من الصراع الإقليمي تعرض أراضيه ومنشآته لهجمات متبادلة، ما جعل سياسة النأي بالبلاد عن المواجهة الإقليمية أكثر صعوبة. وتشير تقديرات بحثية إلى أن بغداد باتت تواجه ضغوطاً متزامنة من واشنطن وطهران حول مستقبل الفصائل المسلحة ونفوذها داخل الدولة.
اختبار جديد لسيادة القرار العراقي
يضع التصعيد الحالي العراق أمام اختبار يتجاوز مسألة العقوبات أو الفصائل، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة الدولة العراقية على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الاستقطاب الأميركي الإيراني.
فواشنطن تريد تقليص قدرة إيران على استخدام العراق كمساحة نفوذ أو قناة مالية وتجارية، بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على عمقها السياسي والأمني والاقتصادي داخل العراق.
وبين الطرفين، تحاول بغداد حماية مصالحها ومنع انتقال المواجهة إلى أراضيها، في وقت باتت فيه أدوات الضغط الاقتصادي أكثر تأثيراً من المواجهة العسكرية المباشرة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة رسم تدريجية للعلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة، إلى جانب إجراءات مالية أكثر تشدداً على حركة الأموال والتجارة مع إيران.
وإذا نجحت بغداد في تحويل هذا الضغط إلى فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها وتنويع علاقاتها الاقتصادية، فقد تتمكن من تقليص هامش التدخل الخارجي من الجانبين. أما إذا بقي العراق ساحة مفتوحة لتبادل النفوذ الأميركي والإيراني، فإن الضغوط الحالية قد تتحول إلى أزمة سياسية وأمنية واقتصادية طويلة الأمد، يكون المواطن العراقي أول المتضررين منها.