لكل السوريين

عندما يصبح المنزل مصدر قلق.. كيف يؤثر نزاع الوالدين في صحة الأطفال النفسية؟

قد يظن بعض الآباء أن خلافاتهم تبقى شأناً خاصاً لا يطال الأطفال، خصوصاً عندما لا يكون الطفل طرفاً مباشراً في المشاجرة، إلا أن الدراسات النفسية تشير إلى أن الأطفال لا يحتاجون إلى أن يكونوا ضحايا مباشرين للعنف حتى يتأثروا به؛ فمجرد العيش في بيئة يسودها الصراخ والتهديد والخصام المستمر يمكن أن ينعكس على شعورهم بالأمان وعلى نموهم النفسي والسلوكي.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف بين الوالدين يسبب اضطراباً لدى الطفل. فالاختلافات الطبيعية جزء من الحياة الأسرية، وقد يتعلم الأطفال من خلالها كيفية التعبير عن الغضب وحل المشكلات والتوصل إلى حلول. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف إلى نمط دائم من النزاع، أو عندما يتعرض الطفل للصراخ والإهانة والتهديد أو يُطلب منه الانحياز إلى أحد الوالدين.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العلاقات الدافئة والمتجاوبة والآمنة بين الطفل ومقدمي الرعاية تؤدي دوراً أساسياً في النمو النفسي والعصبي والاجتماعي، بينما يمكن لاضطراب الرعاية وارتفاع مستويات الضغط داخل الأسرة أن يؤثرا في النمو والتكيف النفسي للطفل.

الطفل قد لا يفهم الخلاف.. لكنه يشعر به

في السنوات الأولى من العمر، قد لا يمتلك الطفل القدرة على فهم أسباب النزاع بين والديه، لكنه يستطيع التقاط إشارات التوتر من نبرة الصوت وتغير السلوك وملامح الوجه وحتى الصمت الطويل بين أفراد الأسرة.

وقد يظهر ذلك على شكل خوف أو تشبث بأحد الوالدين أو اضطراب في النوم والطعام، بينما قد يعبر أطفال آخرون عن القلق من خلال البكاء المتكرر أو الغضب أو السلوك العدواني.

أما الأطفال الأكبر سناً والمراهقون، فقد تتخذ الاستجابة أشكالاً مختلفة، مثل الانسحاب الاجتماعي، فقدان الاهتمام بالدراسة، تراجع التركيز، الشعور بالذنب أو تحميل أنفسهم مسؤولية الخلافات الأسرية.

وتوضح الأدبيات النفسية أن ارتفاع مستويات الصراع داخل الأسرة يمكن أن يهدد شعور الطفل بالأمان العاطفي، ومع استمرار الصراع قد تظهر صعوبات في تنظيم المشاعر، إضافة إلى مشاعر العداء وعدم الثقة وبعض السلوكيات العدوانية.

حين يتحول الطفل إلى “وسيط”

من أكثر المواقف إرباكاً للطفل أن يتحول من متلقٍ للخلاف إلى طرف فيه.

ويحدث ذلك عندما يستخدم أحد الوالدين الطفل لإيصال رسائل إلى الطرف الآخر، أو يطلب منه نقل تفاصيل الخلافات، أو يتحدث أمامه بطريقة تحط من قيمة الوالد الآخر، أو يجبره بصورة مباشرة أو غير مباشرة على اختيار طرف.

في هذه الحالة، يجد الطفل نفسه أمام صراع ولاء شديد الصعوبة؛ فهو يحتاج إلى الشعور بالأمان مع كلا والديه، لكنه يشعر في الوقت ذاته بأن محبته لأحدهما قد تعني خيانة الآخر.

وقد يترتب على ذلك شعور بالذنب والارتباك، وصعوبة في التعبير عن المشاعر، إضافة إلى الخوف من إغضاب أحد الوالدين.

وتشير الجمعية الأميركية لعلم النفس إلى أن الصراع الأسري المرتفع، خصوصاً في سياقات الانفصال والطلاق والنزاعات المستمرة، يمكن أن يزيد تعرض الأطفال للصراع الشديد، ولذلك تركز الممارسات المتخصصة على خفض مستوى النزاع وحماية مصالح الطفل.

النوم والدراسة في مرمى التوتر

لا يتوقف تأثير النزاع الأسري عند الجانب العاطفي، إذ يمكن أن يظهر على هيئة أعراض جسدية وسلوكية.

فالطفل الذي يعيش في حالة ترقب مستمرة قد يجد صعوبة في النوم أو يعاني من الكوابيس، وقد يشكو من الصداع أو آلام البطن أو الشعور بالتعب دون وجود سبب عضوي واضح في بعض الحالات.

وقد يتراجع الأداء الدراسي أيضاً نتيجة انشغال الطفل ذهنياً بما يحدث في المنزل، أو بسبب اضطرابات النوم والقلق وضعف القدرة على التركيز.

وفي بعض الحالات، يتخذ الطفل سلوكاً معاكساً تماماً، فيصبح أكثر عدوانية أو تحدياً داخل المنزل والمدرسة، باعتبار أن السلوك العدواني قد يكون وسيلة غير مباشرة للتعبير عن ضغط لا يستطيع وصفه بالكلمات.

ولا يعني ظهور أحد هذه الأعراض أن السبب هو الخلاف الأسري بالضرورة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تظهر بالتزامن مع تغير واضح في أجواء المنزل أو بعد تصاعد النزاعات بين الوالدين.

الخطر الأكبر عندما يقترن النزاع بالعنف

يصبح الوضع أكثر خطورة عندما لا يقتصر الخلاف على الاختلاف اللفظي، بل يتطور إلى تهديد أو عنف جسدي أو نفسي.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تعرض الأطفال للعنف يمكن أن يؤثر في نمو الدماغ والجهاز العصبي، ويرتبط بزيادة مخاطر اضطرابات الصحة النفسية، بما فيها القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، فضلاً عن مشكلات سلوكية وتعليمية على المدى الطويل.

كما أن العنف داخل المنزل لا يقتصر أثره على الطفل الذي يتعرض له مباشرة؛ فمشاهدة العنف بين الوالدين أو مقدمي الرعاية تعد أيضاً من عوامل الخطر المرتبطة بمشكلات صحة الطفل ورفاهه.

ولهذا فإن حماية الأطفال لا تعني فقط إبعادهم جسدياً عن مكان الشجار، بل تعني العمل على منع تعرضهم المستمر لمناخ من الخوف والتهديد والإهانة.

الانفصال ليس المشكلة دائماً

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن بقاء الوالدين معاً يحمي الطفل في جميع الحالات، أو أن الانفصال هو العامل الأساسي الذي يسبب الاضطرابات النفسية.

فالطفل قد يتضرر من منزل يعيش فيه الوالدان تحت سقف واحد، لكنهما يخوضان نزاعاً متواصلاً، أكثر مما يتضرر من انفصال يتم بطريقة منظمة يحافظ خلالها الطرفان على علاقة مستقرة وآمنة معه.

المشكلة الأساسية ليست دائماً في شكل الأسرة، وإنما في مستوى الصراع الذي يتعرض له الطفل، وفي مدى قدرة الوالدين على توفير بيئة مستقرة وعلاقة آمنة بعد الخلاف أو الانفصال.

ولهذا تركز المقاربات النفسية الحديثة على خفض النزاع، والحفاظ على التواصل المناسب مع الطفل، وعدم تحويله إلى أداة في الخلاف بين الكبار.

كيف يمكن حماية الطفل؟

يستطيع الوالدان اتخاذ خطوات بسيطة لتقليل التأثير النفسي للخلافات. وفي مقدمتها تجنب الشجار أمام الأطفال قدر الإمكان، وعدم استخدام الإهانات أو التهديدات، وعدم تحميل الطفل مسؤولية إصلاح العلاقة بين والديه.

كما ينبغي تجنب الحديث بسوء عن الوالد الآخر أمام الطفل، وعدم مطالبته بنقل الرسائل أو المعلومات، ومنحه مساحة للتعبير عن مشاعره دون تخويف أو لوم.

ومن المهم أيضاً الحفاظ على روتين الطفل قدر الإمكان، خصوصاً مواعيد النوم والدراسة والطعام والأنشطة اليومية، لأن الاستقرار يساعد الطفل على استعادة الشعور بالأمان.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بتدخلات قائمة على الأدلة لدعم الوالدين ومقدمي الرعاية، بهدف تحسين العلاقة مع الأطفال وتقليل التربية القاسية والمشكلات السلوكية والصحية النفسية لدى الأطفال.

متى يحتاج الطفل إلى مساعدة متخصصة؟

لا ينبغي انتظار تفاقم الأعراض قبل طلب المساعدة. فإذا استمرت اضطرابات النوم أو الخوف أو الانعزال أو العدوانية، أو ظهر تراجع واضح في الدراسة والعلاقات الاجتماعية، فمن الأفضل استشارة طبيب أطفال أو اختصاصي في الصحة النفسية للأطفال.

وتزداد الحاجة إلى الدعم المتخصص عندما يتعرض الطفل للعنف، أو يشهد عنفاً بين الوالدين، أو يعيش نزاعاً أسرياً شديداً ومستمراً.

وفي النهاية، لا يحتاج الطفل إلى أسرة خالية تماماً من الخلافات، فهذا أمر غير واقعي، بقدر حاجته إلى أسرة يشعر داخلها بأنه آمن، ومحبوب، وغير مسؤول عن مشكلات الكبار.

فالخلاف بين الوالدين قد ينتهي بعد ساعات، لكن الطريقة التي يعيشه بها الطفل قد تترك أثراً أطول بكثير. وكلما نجح الأب والأم في فصل خلافاتهما عن علاقتيهما بأطفالهما، ازدادت قدرة الطفل على النمو في بيئة أكثر أمناً واستقراراً.

- Advertisement -

- Advertisement -