إضراب رومية.. حين تتحول قضية السجناء السوريين إلى اختبار للعدالة في لبنان
سجناء سوريون يدخلون إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب ويتوقفون عن تناول الأدوية احتجاجاً على تعليق قانون العفو العام
لم يعد سجن رومية المركزي في لبنان مجرد عنوان لأزمة السجون والاكتظاظ، بل عاد إلى الواجهة بوصفه مسرحاً لأزمة حقوقية جديدة، بعدما أعلن سجناء سوريون داخله الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام والشراب، والامتناع عن تناول الأدوية، احتجاجاً على تعليق العمل بقانون العفو العام في لبنان، في خطوة تحمل مخاطر صحية كبيرة، ولا سيما على المرضى والمصابين بأمراض مزمنة.
وبحسب بيان صادر عن السجناء، فإن الإضراب يشمل المعتقلين السوريين، بمن فيهم المصابون بأمراض القلب والسكري والضغط، فيما حمّل المضربون الجهات السياسية التي تعرقل ملف العفو العام مسؤولية أي تداعيات قد تترتب على استمرار الإضراب وتدهور أوضاعهم الصحية.
العفو العام في قلب الأزمة
جاء التصعيد داخل رومية بعد تعليق تنفيذ قانون العفو العام، على خلفية الطعن بالقانون، الأمر الذي أعاد ملف السجناء إلى دائرة التجاذبات السياسية والقضائية اللبنانية.
وتحوّل القانون بالنسبة إلى عدد من السجناء إلى أمل بالإفراج أو تسوية أوضاعهم، ولذلك فإن تعليق العمل به لم يُنظر إليه داخل السجن باعتباره إجراءً قانونياً عابراً، بل باعتباره ضربة جديدة لانتظارات سجناء أمضى بعضهم سنوات خلف القضبان بانتظار انتهاء ملفاتهم.
وتشير تقارير لبنانية إلى أن حالة الغضب داخل رومية تصاعدت خلال الأيام الأخيرة، فيما أقدم بعض السجناء، في خطوة احتجاجية بالغة القسوة، على خياطة أفواههم تعبيراً عن رفضهم لتعليق قانون العفو العام واستمرار معاناتهم.
السوريون في قلب الأزمة
القضية بالنسبة إلى السوريين لا تتوقف عند قانون العفو العام، إذ يرتبط وجود عدد كبير منهم في السجون اللبنانية بملفات قضائية وأمنية مختلفة، وسط مطالب متكررة بإيجاد حلول قانونية وإنسانية لأوضاعهم.
وفي كانون الثاني الماضي، كانت قضية الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية قد شهدت تطوراً مهماً، بعد موافقة الحكومة اللبنانية على اتفاقية تقضي بتسليم 300 موقوف سوري من أصل نحو 2250 سورياً محتجزين في السجون اللبنانية، لتنفيذ بقية محكومياتهم في سوريا، في إطار مساعٍ لمعالجة الملف بين البلدين.
لكن استمرار وجود آلاف السوريين في السجون اللبنانية يطرح سؤالاً أكبر حول مصير هؤلاء، خصوصاً من انتهت محكومياتهم أو الذين ما زالت ملفاتهم عالقة أمام القضاء، وما إذا كانت هناك آلية واضحة وسريعة لمعالجة أوضاعهم بعيداً عن التجاذبات السياسية.
من السجن إلى معركة على الحياة
اللافت في الإضراب الحالي أن المحتجين لم يكتفوا بالامتناع عن الطعام، بل أعلنوا أيضاً الامتناع عن تناول الأدوية، وهو ما يجعل القضية تتجاوز حدود الاحتجاج السياسي أو القانوني إلى خطر مباشر على حياة عدد من السجناء.
وتزداد خطورة هذه الخطوة مع وجود مرضى يعانون من أمراض مزمنة، إذ يمكن أن يؤدي التوقف عن تناول الأدوية إلى مضاعفات صحية خطيرة، خصوصاً لدى مرضى القلب والسكري والضغط.
وكان سجن رومية قد شهد خلال السنوات الماضية انتقادات متكررة بشأن أوضاع السجون اللبنانية، بما في ذلك الاكتظاظ وتأخر المحاكمات والظروف الصحية والمعيشية للسجناء، ما جعل ملف السجون واحداً من الملفات الحقوقية المزمنة في لبنان. كما شهد رومية في كانون الثاني الماضي إضراباً واسعاً شارك فيه سجناء لبنانيون وسوريون احتجاجاً على التأخر في البت بملفات قضائية، بحسب تقارير إعلامية.
هل يصبح السجناء ورقة في الصراع السياسي؟
المشكلة الأعمق التي يكشفها إضراب رومية هي أن مصير الإنسان خلف القضبان يمكن أن يتحول بسهولة إلى جزء من التجاذب السياسي.
فالسجين، سواء كان لبنانياً أو سورياً، لا ينبغي أن يصبح رهينة للخلافات بين الكتل السياسية أو لتأخر المؤسسات في حسم القوانين والملفات القضائية. وفي الحالة السورية تحديداً، تبدو القضية أكثر تعقيداً، لأن السجين يعيش بعيداً عن بلده وأسرته، وغالباً ما تكون قدرته على متابعة ملفه القانوني محدودة.
ومن هنا، فإن استمرار الإضراب يضع السلطات اللبنانية أمام مسؤولية مباشرة في التعامل مع الملف باعتباره قضية حقوقية وإنسانية، وليس مجرد حركة احتجاج داخل أحد السجون.
ملف يحتاج إلى حل لا إلى تأجيل
إضراب السجناء السوريين في رومية يعيد فتح ملف طال تأجيله: ماذا عن مصير السوريين الموجودين في السجون اللبنانية؟ وهل يمكن إنهاء الملفات العالقة من خلال القضاء، أو تطبيق الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، أو إيجاد آليات قانونية تسمح بتسوية أوضاع من تنطبق عليهم شروط الإفراج أو نقل المحكوميات؟
وفي الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف من تدهور الحالة الصحية للمضربين، فإن المسؤولية لا تقع على السجناء وحدهم، بل على المؤسسات اللبنانية المعنية بضرورة إيجاد مخرج قانوني وإنساني للأزمة.
فالإضراب عن الطعام قد يكون آخر وسيلة يمتلكها السجين لإيصال صوته، لكن استمرار الصمت الرسمي أمام تدهور صحة المضربين قد يحوّل احتجاجاً داخل السجن إلى أزمة حقوقية أكبر، خصوصاً إذا كانت حياة مرضى وموقوفين على المحك.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح السلطات اللبنانية في فصل ملف السجناء عن التجاذبات السياسية، وفتح مسار قانوني واضح لمعالجة أوضاع السوريين في رومية، قبل أن يتحول الإضراب المفتوح إلى مأساة جديدة خلف القضبان؟