لم تعد المشكلة في المشهد الثقافي السوري اليوم مرتبطة بغياب الأفكار أو ندرة الرغبة في إنتاج أشكال جديدة من النشاط الثقافي، بقدر ما باتت مرتبطة بسؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن لهذه المبادرات أن تستمر؟
فخلف الفعاليات والمعارض والعروض الموسيقية والورشات والنقاشات، تقف مبادرات ثقافية تحاول اختبار طرق مختلفة للعمل خارج القوالب التقليدية، لكنها تصطدم بجملة من العقبات تبدأ من صعوبة تأمين المساحات والموارد، وتمر بضعف القدرة الشرائية للجمهور والعاملين، ولا تنتهي عند غموض العلاقة مع المؤسسات الرسمية والإجراءات المتعلقة باستخدام المرافق العامة.
وفي مرحلة يعاد فيها تشكيل الحياة العامة والثقافية في سوريا، تبدو ولادة المبادرة الثقافية أسهل من تحويلها إلى مشروع قادر على البقاء. فتنظيم فعالية واحدة قد يكون ممكناً، لكن بناء جمهور دائم، وتأمين موارد، وخلق فرص للعاملين، والحفاظ على المكان، كلها تحديات تجعل الاستدامة الاختبار الحقيقي لأي تجربة ثقافية جديدة.
من الفعالية إلى المشروع
المبادرة الثقافية، في جوهرها، ليست مجرد فعالية عابرة، بل مشروع ينطلق من حاجة أو فكرة، ويحاول إنتاج نشاط أو مساحة أو شبكة تواصل تسهم في تطوير الحياة الثقافية.
غير أن كثيراً من التجارب تصطدم بفجوة بين الحماس الذي يرافق انطلاقتها والقدرة على تحويل هذا الحماس إلى نموذج مستمر. وقد تنجح المبادرة في جذب الجمهور في مناسبة معينة، لكنها لا تجد بالضرورة الموارد أو الظروف التي تسمح لها بتحويل ذلك الحضور إلى علاقة طويلة الأمد مع المجتمع.
الموسيقي والشريك المؤسس لمبادرة «حجرة ورقة مقص»، يامن مقداد، يرى أن نجاح المبادرات واستمراريتها يرتبطان بالمكان والمجتمع الذي تعمل فيه، وبقدرتها على معرفة الجمهور الذي تخاطبه والحاجات التي تحاول الاستجابة لها، سواء كانت فردية أم جماعية.
وهنا تحديداً يظهر أحد الاختبارات الأساسية أمام المبادرات السورية: هل تنتج نشاطاً ثقافياً للجمهور، أم تنطلق من المجتمع نفسه لتكتشف ما يحتاج إليه؟
الثقافة أمام كلفة الحياة
لا يمكن فصل مستقبل الثقافة عن الواقع الاقتصادي. فالجمهور الذي يواجه ارتفاع تكاليف النقل والمعيشة، والعامل الثقافي الذي يبحث عن مصدر دخل مستقر، والمبادرة التي تحتاج إلى مكان وتجهيزات وتمويل، جميعهم يتحركون داخل اقتصاد مثقل بالأعباء.
ويشير مقداد إلى أن ارتفاع تكاليف الحياة يؤثر مباشرة في المشاركة الثقافية، إذ يمكن أن تصبح تكلفة الوصول إلى النشاط عائقاً أمام الجمهور، وصولاً إلى تحول الثقافة تدريجياً من مساحة عامة يفترض أن تكون متاحة إلى نشاط قادر على استقطاب من يستطيع تحمل كلفته.
وهذه النقطة تطرح سؤالاً أوسع من قدرة مبادرة بعينها على الاستمرار: هل يمكن بناء حياة ثقافية حقيقية إذا بقيت المشاركة الثقافية مرتبطة بالقدرة الاقتصادية للفرد؟
فاستدامة الثقافة لا تعني فقط أن تتمكن المبادرة من دفع إيجار مكانها أو تمويل فعالية جديدة، وإنما أن يكون في الإمكان خلق دورة اقتصادية تسمح للفنان والعامل التقني والمنظم والمنتج والجمهور بأن يكونوا جزءاً من المشهد من دون أن تتحول الثقافة إلى عبء إضافي على الجميع.
حين يصبح الفنان جزءاً من منظومة كاملة
في تجربة «حجرة ورقة مقص»، لا يقتصر العمل على تقديم الموسيقي أو إقامة الحفل، بل يحاول بناء شبكة تشمل الفنانين والعاملين خلف الكواليس، من منتجين ومهندسي صوت وإضاءة وغيرهم، وربطهم بمساحات التدريب والبروفات والدعم التقني والعروض والإيرادات.
وتكشف هذه التجربة عن تحول مهم في التفكير بالمبادرة الثقافية: فالموسيقى، مثلاً، لا يمكن أن تقوم على الفنان وحده، كما أن المسرح لا يقوم على الممثل وحده، ولا الفنون البصرية على الفنان فقط. خلف كل نشاط شبكة من المهن والخدمات والمساحات التي تحتاج هي الأخرى إلى بيئة قادرة على البقاء.
ومن هنا تصبح المبادرة الثقافية أقرب إلى محاولة بناء قطاع ثقافي وليس مجرد إنتاج حدث ثقافي.
المساحات.. المشكلة التي لا تظهر على المسرح
إلى جانب التمويل والجمهور، تبرز مشكلة المساحات بوصفها واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في استدامة المبادرات. فالكثير من الأنشطة تحتاج إلى قاعات أو مسارح أو أماكن مفتوحة، بينما لا تزال آليات الوصول إلى بعض المساحات التابعة للمؤسسات الرسمية، وشروط استخدامها، وأشكال التعاون بشأنها، بحاجة إلى مزيد من الوضوح والتنظيم.
ويرى الشريك المؤسس لمؤسسة «خزان، معمل، ثقافة»، أنس يونس، أن استمرار المبادرات يرتبط أيضاً بوضوح المساحات المتاحة لها، وبوجود قنوات مؤسساتية تتيح معرفة كيفية التعاون وتقاسم الموارد، بدلاً من بقاء كل مبادرة تعمل ضمن مسار منفصل.
وهنا لا تبدو المشكلة مجرد نقص في الأبنية أو القاعات، وإنما في غياب تصور واضح لكيفية إدارة هذه الموارد وتوزيعها والاستفادة منها ثقافياً.
بين المبادرات والمؤسسات.. شراكة لم تتشكل بعد
في المقابل، لا تستطيع المؤسسات الرسمية وحدها حمل كامل العبء الثقافي، كما أن المبادرات المستقلة لا تستطيع العمل بمعزل عن البيئة القانونية والإدارية والاقتصادية المحيطة بها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى علاقة أكثر وضوحاً بين الطرفين، تقوم على التعاون وتقاسم الموارد والخبرات، من دون أن تتحول المبادرات إلى امتداد إداري للمؤسسات، أو تبقى المؤسسات بعيدة عن الخبرات المتراكمة داخل المجتمع الثقافي.
ويطرح يونس تصوراً للمبادرات باعتبارها «حوامل ثقافية» مرتبطة بالمناطق والمجتمعات، وقادرة على العمل ضمن شبكات أوسع. ووفق هذا التصور، يمكن للمبادرة أن تتجاوز دورها المباشر لتشارك لاحقاً في تدريب العاملين في الإدارة الثقافية، وتطوير الحوكمة، وفتح نقاشات محلية، والمساهمة في صياغة رؤى تنطلق من احتياجات المجتمع.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أولاً الاعتراف بأن الثقافة ليست سلسلة مناسبات موسمية، وإنما قطاع يحتاج إلى تخطيط وموارد ومساحات وقواعد عمل واضحة.
مشهد ثقافي يحتاج إلى شبكة لا إلى جزر منفصلة
ربما يكون أحد أكبر التحديات أمام المبادرات الثقافية السورية هو العمل منفردة. فالموارد محدودة، والجمهور موزع، والخبرات متفاوتة، والمساحات ليست متاحة بالقدر الكافي. لذلك تبدو الشبكات الثقافية والتعاون بين المبادرات أكثر من مجرد خيار تنظيمي؛ إنها إحدى الأدوات الممكنة لتقليل كلفة العمل وتبادل الخبرات والوصول إلى جمهور أوسع.
وفي بلد يعاد فيه تشكيل المجال العام بعد سنوات طويلة من التقييد والتشظي، فإن بناء شبكة ثقافية عابرة للمناطق يمكن أن يمنح المبادرات فرصة أكبر للاستمرار، ويقلل من مركزية النشاط الثقافي، ويفتح الباب أمام تجارب تنطلق من احتياجات المدن والمجتمعات المحلية بدلاً من استنساخ نموذج واحد.
الاستدامة هي السؤال الأصعب
المشهد الثقافي السوري لا يعاني بالضرورة من نقص الأفكار. ما ينقصه بدرجة أكبر هو البيئة التي تسمح للأفكار بالبقاء.
فالفعالية يمكن تنظيمها، والمعرض يمكن افتتاحه، والحفل يمكن إقامته، لكن التحدي يبدأ في اليوم التالي: من سيمول النشاط؟ أين سيقام؟ من سيحضر؟ كيف سيحصل العاملون على أجورهم؟ وما الذي يضمن استمرار المشروع عندما تنتهي المنحة أو يتغير المكان أو تتراجع القدرة الشرائية للجمهور؟
لهذا تبدو المرحلة المقبلة أمام المبادرات الثقافية اختباراً حقيقياً للانتقال من ثقافة الفعاليات إلى ثقافة المشاريع، ومن التجارب المنفصلة إلى الشبكات، ومن العلاقة الغامضة مع المؤسسات إلى شراكات أكثر وضوحاً.
وفي النهاية، فإن نجاح المبادرة الثقافية لا يقاس فقط بعدد الفعاليات التي تنظمها أو الجمهور الذي تحشده في يوم واحد، بل بقدرتها على ترك أثر مستمر داخل المجتمع، وخلق فرص للعاملين فيها، وبناء مساحة يستطيع الجمهور الوصول إليها، وتحويل الثقافة من نشاط مؤقت إلى جزء حي من الحياة اليومية السورية.