اتفاقيات الشرع الأخيرة تفتح أبواب التمويل السعودي للكهرباء والصحة والإسكان، لكن القروض ليست منحاً، والتوقيع ليس إنجازاً.. فمن يدفع الكلفة، ومتى يرى السوريون النتائج؟
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في الرابع من تشرين الثاني الجاري مجرد محطة جديدة في مسار التقارب السياسي بين دمشق والرياض، بل حملت معها حزمة اتفاقيات تنموية وعسكرية واقتصادية تعكس انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر عمقاً. غير أن قراءة الاتفاقيات من زاوية اقتصادية واجتماعية تكشف أسئلة تتجاوز الاحتفاء بالأرقام: ما الذي حصلت عليه سوريا فعلياً؟ وما حجم الالتزامات التي ستترتب عليها؟ وهل ستصل نتائج هذه الاتفاقيات إلى المواطنين، أم ستبقى المشاريع سنوات طويلة بين التمويل والتنفيذ؟
403 ملايين دولار.. قروض وليست هبات
أبرز ما خرجت به الزيارة توقيع ست اتفاقيات قروض تنموية ميسّرة بين وزارة المالية السورية والصندوق السعودي للتنمية، بقيمة تتجاوز 403 ملايين دولار، لتمويل مشاريع في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والبنية التحتية والتحول الرقمي.
وهنا تكمن النقطة التي تستحق التوقف: التمويل السعودي المعلن ليس منحة مجانية، بل قروض تنموية ميسّرة، ما يعني أن الدولة السورية ستتحمل التزامات مالية مستقبلية وفق شروط الاتفاقيات. ورغم أن القروض الميسّرة قد تكون أقل كلفة من التمويل التجاري، فإن معرفة آجال السداد وفترات السماح والفوائد وآليات التمويل تبقى ضرورية لتقييم العبء الحقيقي على المالية العامة.
ولا تتوافر في البيانات المنشورة تفاصيل كاملة عن شروط كل قرض، الأمر الذي يجعل الحديث عن حجم المكسب الاقتصادي النهائي سابقاً لأوانه.
أين ستذهب الأموال؟
تتوزع الحزمة على مشاريع تبدو مرتبطة مباشرة باحتياجات السوريين. إذ خصص 90 مليون دولار لإعادة تأهيل وحدات التوليد في محطة حلب الحرارية، و100 مليون دولار لإعادة تأهيل وإنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز صحية، و105 ملايين دولار لإنشاء وتأهيل 25 مركزاً للدفاع المدني.
كما تتضمن 60 مليون دولار لإعادة تأهيل ما يصل إلى عشرة آلاف وحدة سكنية متضررة، و30 مليون دولار لتحديث منظومة مياه الشرب وتركيب 300 ألف عداد ذكي، إضافة إلى أكثر من 18 مليون دولار للتحول الرقمي وتطوير المؤسسات المالية الحكومية.
هذه الأرقام تضع الكهرباء والصحة والمياه والسكن في مقدمة الأولويات، لكنها تفتح في المقابل باب المساءلة حول آليات اختيار المشاريع والمناطق المستفيدة، ومعايير تحديد الأولويات، والجهات التي ستتولى التنفيذ، ومدى مشاركة الشركات المحلية والعمال السوريين فيها.
الكهرباء.. خمسة ملايين مستفيد على الورق
من أبرز المشاريع إعادة تأهيل محطة حلب الحرارية بقيمة 90 مليون دولار، مع توقعات بأن يستفيد منها نحو خمسة ملايين شخص. لكن المواطن السوري لا يحتاج إلى رقم المستفيدين بقدر حاجته إلى معرفة عدد ساعات الكهرباء التي ستضاف إلى منزله، ومدى استقرار التغذية، وانعكاس المشروع على تكاليف الإنتاج وتشغيل المصانع.
فإذا انتهى المشروع دون تحسن ملموس في واقع الكهرباء، فإن الأثر الاقتصادي والاجتماعي سيكون أقل بكثير من التوقعات المعلنة، خصوصاً أن الكهرباء ترتبط مباشرة بأسعار السلع والعمل والإنتاج.
اتفاقيات تتوسع.. والشفافية لا تزال ضرورة
لم تقتصر الزيارة على القروض، إذ شهدت توقيع مذكرة للتعاون الصناعي، واتفاق تعاون بين وزارتي الدفاع، ومذكرتي تفاهم في الزراعة وحماية البيئة، بما يعكس اتساع الشراكة بين البلدين إلى مجالات استراتيجية.
لكن الاتفاقيات القطاعية، مهما اتسعت، لا تتحول تلقائياً إلى استثمارات أو مصانع أو فرص عمل. فالتعاون الصناعي يحتاج إلى مشاريع محددة، والتعاون الزراعي يحتاج إلى برامج تمويل وإنتاج وتسويق، بينما يتطلب التعاون البيئي إجراءات تنفيذية واضحة، لا مجرد تبادل الخبرات.
وفي الملف الدفاعي، تبرز أهمية معرفة طبيعة التعاون وحدوده وآليات تنفيذه، خصوصاً في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى تثبيت مؤسساتها وإعادة بناء منظومتها الأمنية.
من يراقب التنفيذ؟
الاختبار الحقيقي للزيارة يبدأ بعد انتهاء مراسم التوقيع. فالمطلوب نشر جدول زمني واضح لكل مشروع، وتحديد الجهات المسؤولة، والإعلان عن نسب الإنجاز والإنفاق، وتقديم تقارير دورية تتيح للمواطنين معرفة ما تحقق فعلياً.
كما أن إعادة تأهيل عشرة آلاف وحدة سكنية، مثلاً، تثير سؤالاً حول المستفيدين ومعايير الاختيار، ومدى وصول المشاريع إلى المناطق الأكثر تضرراً، وليس فقط إلى المناطق الأكثر قدرة على جذب الاستثمار.
النتائج أهم من الصور
تمنح الاتفاقيات السعودية سوريا فرصة مهمة لتطوير خدماتها الأساسية وإعادة تأهيل أجزاء من بنيتها التحتية، لكنها لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على نجاح التعافي الاقتصادي.
فبين القروض والاتفاقيات ومذكرات التفاهم، تبقى الحلقة الأهم هي التنفيذ، والشفافية، والقدرة على تحويل التمويل إلى خدمات وفرص عمل ودخل أفضل.
وفي بلد أنهكته الحرب وتراكمت فيه الاحتياجات، لا يكفي أن يعرف المواطن قيمة الاتفاقيات، بل يريد أن يعرف ماذا ستغير في حياته، ومتى سيشعر بنتائجها.
فالزيارة قد تفتح باب التمويل، لكن نجاحها الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأرقام إلى كهرباء في المنازل، ومياه في الشبكات، وعلاج في المستشفيات، وسكن للعائلات، وفرص عمل لا ديوناً إضافية.