لكل السوريين

مستحقات مؤجلة تثقل كاهل مزارعي الرقة.. من يدفع ثمن تأخر الحكومة؟

لم يعد تأخر صرف مستحقات مزارعي القمح في الرقة مجرد تأخير إداري يمكن اختصاره في انتظار دفعة مالية جديدة، بل تحول إلى أزمة تمتد آثارها من حسابات المزارعين إلى الموسم الزراعي التالي، في وقت بدأ فيه بعضهم حصاد القطن وتجهيز أراضيه، بينما لا تزال قيمة محصول القمح الذي سلّمه للدولة عالقة بين المؤسسات المعنية بالصرف.

المشهد الأكثر دلالة أن المزارع الذي أنهى موسماً زراعياً وأنجز ما عليه من التزامات تجاه الدولة، يجد نفسه مضطراً إلى الاستدانة مجدداً لتمويل موسم جديد. وبينما تتحدث الجهات الحكومية عن إجراءات للصرف وتوفير السيولة، يتساءل المزارعون عن موعد حصولهم على أموالهم كاملة، ومن يتحمل الخسائر الناتجة عن تأخيرها.

ثلاثة أشهر من الانتظار

في الرقة، بدأ عدد من المزارعين بتسليم محصول القمح إلى مراكز الاستلام منذ مطلع تموز/يوليو، لكن بعضهم ظل ينتظر مستحقاته حتى أيلول/سبتمبر.

وتحدث مزارعون عن اضطرارهم إلى شراء الأسمدة والبذار والأدوية الزراعية بالدين، إلى جانب تأجيل دفع أجور الجرارات والحراثة والحصاد والنقل، بانتظار الأموال التي يفترض أن يحصلوا عليها بعد تسليم محصولهم.

وفي آب/أغسطس، خرج مزارعون أمام مبنى محافظة الرقة للمطالبة بتسريع صرف مستحقاتهم، في احتجاج عكس حجم الاحتقان المتراكم حول آلية الدفع. كما أكدت وكالة الأنباء السورية أن مزارعين طالبوا بتسريع الصرف، بينما قال المصرف الزراعي إن العملية مستمرة وفق القوائم المستكملة والسيولة المتاحة.

لكن استمرار المشكلة حتى أيلول يطرح سؤالاً مختلفاً: إذا كانت إجراءات الصرف قد بدأت فعلاً، فلماذا لا يزال مزارعون ينتظرون أثمان محصول سلّموه قبل أشهر؟

الدولة تستلم القمح.. ثم تطلب من المزارع الانتظار

تكشف حالة مزارعي الرقة عن مفارقة اقتصادية واضحة؛ فالدولة تشجع المزارع على توريد محصوله إلى مؤسساتها، وتحدد سعر الشراء وآلية التسليم، ثم يصبح حصول المزارع على ثمن المحصول مرتبطاً بقدرة المؤسسات الحكومية على تأمين السيولة وإتمام الإجراءات المالية.

وهنا تظهر مشكلة في توزيع المخاطر.

فالمزارع لا يستطيع تأجيل دفع أجور العمال أو ثمن الوقود والأسمدة إلى حين تحسن السيولة لدى الدولة، ولا يستطيع إيقاف الموسم الزراعي الجديد بانتظار اكتمال الإجراءات المصرفية. لذلك ينتقل عبء التعثر المالي الحكومي عملياً إلى المزارع، الذي يضطر إلى الاقتراض أو تقليص المساحات المزروعة أو تأجيل شراء مستلزمات الإنتاج.

وفي تقرير نشر في تموز، قال مزارعون من ريف الرقة إن بعض مستلزمات الإنتاج كانت تُشترى بالدين، مع زيادة تصل إلى 40% على أسعار المواد في بعض حالات البيع الآجل، ما يعني أن تأخر مستحقات القمح لا يجمّد المال فقط، بل قد يجعل المزارع يدفع تكلفة إضافية للحصول على السيولة التي كان يفترض أن توفرها مستحقاته.

من المسؤول عن التأخير؟

هنا تبدأ الحلقة الأكثر تعقيداً في الملف.

فوزارة الزراعة أوضحت أن تسديد أثمان القمح ليس من اختصاصها، وإنما يقع على عاتق المؤسسة السورية للحبوب التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة. وفي المقابل، ظهرت تصريحات سابقة من مصرف سوريا المركزي في الرقة تؤكد جاهزية الاعتمادات، وأن التأخير لا يرتبط بالمصرف المركزي.

أما التفسير الحكومي الذي طُرح لاحقاً، فيتمثل في صعوبة توفير السيولة اللازمة لتسديد قيمة كميات القمح الكبيرة دفعة واحدة، إضافة إلى مشكلات مرتبطة بتوفير وشحن العملة الجديدة. وقال وزير الزراعة باسل السويدان إن توفير السيولة لدفع أثمان نحو ثلاثة ملايين طن من القمح في فترة قصيرة ليس أمراً سهلاً.

لكن تعدد الجهات والتفسيرات لا يجيب عن السؤال الأساسي بالنسبة للمزارع: من الجهة التي تتحمل المسؤولية أمامه عندما يتأخر حقه؟

فالوزارة تقول إن الدفع ليس من اختصاصها، والمصرف المركزي يقول إن الاعتمادات جاهزة، والحبوب مرتبطة بوزارة الاقتصاد، والمصرف الزراعي ينفذ عمليات الصرف وفق السيولة والقوائم.

وفي النهاية، يبقى المزارع وحده في مواجهة الدائن وتاجر الأسمدة ومزود المحروقات وأجور العمال.

حين يتحول «نقص السيولة» إلى مشكلة زراعية

قد يبدو نقص السيولة مشكلة مصرفية، لكنه في الحالة السورية يتحول سريعاً إلى مشكلة إنتاج.

فالزراعة دورة مالية متصلة: المزارع ينفق قبل الزراعة، ثم ينفق خلال الموسم، وبعد الحصاد يحصل على إيراد يسمح له بتسديد ديونه وتمويل الموسم التالي. وعندما تنقطع هذه الدورة بسبب تأخر الدفع، يصبح استمرار الإنتاج أكثر كلفة.

وتزداد حساسية المشكلة في الرقة، إحدى أبرز المحافظات المنتجة للقمح. فقد استحوذت المحافظة على نحو 18% من إجمالي كميات القمح المسلمة للدولة خلال موسم 2026، بحسب البيانات الواردة في التقارير المتعلقة بالموسم. وعلى المستوى الوطني، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة تسلم نحو 2.75 مليون طن من القمح، في موسم وصفته الحكومة بالاستثنائي.

أي أن المزارع ساهم في تأمين محصول استراتيجي للدولة، لكن تأمين السيولة اللازمة للحصول على قيمة هذا المحصول أصبح تحدياً بحد ذاته.

القمح لم يُدفع.. والقطن بدأ

الأكثر إثارة للقلق أن أزمة القمح تزامنت مع بداية موسم زراعي جديد.

ففي أيلول، بدأ مزارعون في ريف الرقة جني محصول القطن، وبينهم مزارعون قالوا إنهم لا يزالون ينتظرون قيمة القمح الذي سلموه للدولة قبل أشهر.

وهذا يعني أن المزارع مطالب عملياً بتمويل موسم جديد قبل أن يستعيد أموال الموسم السابق.

ولا تتوقف المشكلة عند الدفع. فمزارعو القطن تحدثوا أيضاً عن غياب الوضوح المبكر حول سعر شراء المحصول وآلية تسويقه واستلامه، بينما أشارت تقارير حديثة إلى أن المساحات المزروعة بالقطن في الرقة تراجعت بشكل كبير نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب سياسة واضحة للتسويق والشراء.

وهنا يصبح السؤال أكبر من فاتورة قمح متأخرة: هل تمتلك الحكومة سياسة زراعية متكاملة تبدأ قبل الزراعة ولا تنتهي عند استلام المحصول؟

الحكومة تحدد موعداً.. لكن المزارع يحتاج المال الآن

بحسب تعميم متعلق بآلية صرف أثمان القمح، بدأ دفع المستحقات في آب، وكان من المفترض إنجاز العملية خلال أربعة أشهر، أي بحلول نهاية تشرين الثاني.

كما جرى اعتماد آلية تقضي بدفع مليون ليرة سورية جديدة دفعة أولى في حالات معينة، وتقسيم المبالغ الأعلى على دفعات شهرية.

لكن المشكلة أن المزارع لا يتعامل مع «الجدول الزمني الحكومي» بالطريقة نفسها التي تتعامل بها المؤسسات.

فالدين المستحق لتاجر الأسمدة له موعد، وأجرة العامل لها موعد، وثمن الوقود له موعد، وتجهيز الأرض للموسم التالي له موعد. وكل شهر تأخير قد يعني فائدة أو زيادة سعر أو خسارة فرصة زراعية.

لذلك فإن تجزئة المستحقات، حتى عندما تكون جزءاً من آلية رسمية، لا تعني بالضرورة أن المزارع حصل على حقه في الوقت الذي يحتاجه فيه.

ثقة تتراجع.. ومخاطر على التسويق الحكومي

الأثر الأخطر قد لا يكون مالياً فقط، بل يتعلق بثقة المزارعين في مؤسسات الدولة.

فمزارعون في الرقة تحدثوا عن مخاوف من أن يؤدي تأخر المستحقات إلى دفعهم مستقبلاً نحو بيع محاصيلهم للتجار بدلاً من توريدها للجهات الرسمية، خصوصاً إذا كان البيع الخاص يوفر لهم السيولة بشكل أسرع.

وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للدولة؛ لأن نجاح أي سياسة لشراء المحاصيل لا يعتمد فقط على تحديد سعر مناسب، وإنما أيضاً على قدرة المؤسسة المشترية على دفعه في الوقت المناسب.

إذا أصبح المزارع يرى أن التسليم الحكومي يعني الانتظار لأشهر، بينما يستطيع التاجر دفع جزء أكبر من المال فوراً، فقد تتغير قراراته في المواسم المقبلة، حتى لو كان السعر الحكومي أعلى.

المطلوب ليس تبريراً.. بل مسؤولية واضحة

المشكلة التي يواجهها مزارعو الرقة لا تحتاج إلى مزيد من نقل المسؤولية بين المؤسسات بقدر حاجتها إلى تحديد جهة حكومية واضحة تكون مسؤولة عن الملف أمام المزارع.

فإذا كانت مؤسسة الحبوب مسؤولة عن المستحقات، ينبغي أن تعلن بصورة واضحة حجم المبالغ المتبقية، وعدد المزارعين الذين لم يحصلوا على مستحقاتهم، والجدول الزمني الفعلي للصرف.

وإذا كان العائق هو نقص السيولة، فإن السؤال يصبح متعلقاً بإدارة الموارد العامة وترتيب الأولويات: لماذا لا يتم تأمين السيولة لمزارعين ينتجون محصولاً استراتيجياً قبل أن يدخلوا موسماً جديداً مثقلين بالديون؟

وإذا كانت المشكلة مرتبطة بالعملة الجديدة أو بنقل الأموال، فمن حق المزارع معرفة سبب عدم وجود خطة مالية مسبقة لموسم كان حجم إنتاجه متوقعاً قبل بدء عمليات الاستلام.

المزارع ليس ممولاً مجانياً للدولة

في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى مستحقات المزارعين باعتبارها دفعة مالية عادية يمكن تأجيلها بحسب قدرة الخزينة.

المزارع موّل جزءاً كبيراً من العملية الزراعية من جيبه أو من الديون، وسلّم الدولة محصوله وفق الآلية التي حددتها هي. وعندما يتأخر ثمن المحصول، فإنه يتحول عملياً إلى ممول مجاني للدورة المالية الحكومية، بينما يتحمل وحده كلفة الانتظار.

وفي محافظة تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة، فإن استمرار هذه المعادلة قد لا يبقى مشكلة تخص المزارع وحده. تراجع المساحات المزروعة، واللجوء إلى الديون، والعزوف عن محاصيل معينة، والاتجاه نحو البيع الخاص، كلها نتائج يمكن أن تؤثر لاحقاً في الإنتاج والأسعار والأمن الغذائي.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه فواتير القمح المتأخرة في الرقة ليس فقط: متى سيحصل المزارعون على أموالهم؟

بل: هل تستطيع الحكومة  بناء علاقة زراعية تقوم على الثقة والالتزام بالمواعيد، أم أن المزارع سيبقى الطرف الذي يدفع ثمن تعثر المؤسسات؟

- Advertisement -

- Advertisement -