الشرع في الرياض.. شراكة تتوسع و«حلف مكة» على طاولة البحث
زيارة ثانية خلال شهر تجمع ملفات الاقتصاد والدفاع والأمن.. ودمشق تبحث عن موقع جديد في معادلات المنطقة
وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، إلى العاصمة السعودية الرياض، في زيارة رسمية على رأس وفد حكومي رفيع المستوى، لإجراء مباحثات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تتناول تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في مختلف المجالات، وسط اهتمام متزايد بملف انضمام سوريا إلى «حلف مكة» الدفاعي.
وتأتي الزيارة، التي تعد الثانية للشرع إلى الرياض خلال أقل من شهر، في سياق التقارب المتنامي بين دمشق والرياض، بعدما شهدت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الماضية سلسلة لقاءات واتصالات سياسية واقتصادية، ركزت على دعم الاستقرار السوري وفتح آفاق جديدة للتعاون والاستثمار وإعادة الإعمار.
وفد يجمع السياسة والدفاع والاقتصاد
وضم الوفد السوري وزراء الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، والدفاع مرهف أبو قصرة، والمالية محمد يسر برنية، والصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك باسل عبد العزيز عبد الحنان، إضافة إلى رئيس جهاز الاستخبارات العامة اللواء عبد القادر طحان، في تركيبة تعكس تعدد الملفات المطروحة على جدول الزيارة.
وأفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» بأن المباحثات تتناول عدداً من القضايا الثنائية، إلى جانب توقيع اتفاقيات في قطاعات مختلفة، بما يعزز التعاون بين البلدين، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى أن الزيارة تحمل أيضاً أبعاداً أمنية ودفاعية تتصل بمناقشة انضمام سوريا إلى «حلف مكة».
«حلف مكة».. من النقاش إلى اختبار القرار
ويبرز ملف الانضمام إلى «حلف مكة» بوصفه أحد أبرز العناوين السياسية للزيارة، بعدما كشف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال مشاركته في منتدى حوار المنامة أواخر تشرين الأول الماضي، عن وجود نقاشات لتقييم انضمام سوريا إلى الاتفاق الدفاعي، مؤكداً أن أمن الخليج جزء من الأمن الإقليمي السوري، وأن دمشق تنظر بإيجابية إلى الأطر التي تعزز الاستقرار والردع المشترك.
ويضم الاتفاق، وفق المعلومات المتداولة، السعودية وباكستان وتركيا، ويقوم على تعزيز التعاون الدفاعي والتنسيق في مواجهة التهديدات الأمنية، مع طرح مبدأ أن الاعتداء على إحدى الدول المشاركة يمثل تهديداً لبقية الأطراف. ولم تعلن دمشق حتى الآن قراراً نهائياً بشأن الانضمام، فيما لا تزال المسألة ضمن إطار المشاورات والتقييم.
ومن شأن أي خطوة سورية باتجاه هذا الاتفاق أن تحمل أبعاداً تتجاوز التعاون العسكري، لتلامس موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، وطبيعة علاقاتها مع القوى الفاعلة في المنطقة، فضلاً عن انعكاساتها على السياسة الدفاعية السورية في مرحلة تتسم بتشابك التحديات الأمنية.
شراكة اقتصادية.. والرهان على النتائج
اقتصادياً، تتجه دمشق إلى الاستفادة من التقارب مع الرياض في توسيع الاستثمارات ودعم مشاريع إعادة الإعمار، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة والخدمات. وكانت العلاقات الاقتصادية قد شهدت خلال العام الماضي إعلان مشاريع واتفاقيات استثمارية واسعة، في إطار مساعٍ سعودية لتعزيز حضورها في السوق السورية.
لكن أهمية هذه الشراكة لا تقاس بحجم الاتفاقيات المعلنة وحدها، بل بقدرتها على الانتقال إلى مشاريع فعلية تنعكس على حياة السوريين، من خلال خلق فرص العمل وتحسين الخدمات وتخفيف الضغوط المعيشية، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية واتساع احتياجات إعادة الإعمار.
وتطرح الزيارة كذلك تساؤلات حول طبيعة المقابل السياسي والأمني الذي قد يرافق توسع التعاون، ومدى قدرة دمشق على تحقيق توازن بين متطلبات الشراكات الإقليمية والحفاظ على استقلالية قرارها الوطني.
دمشق تبحث عن موقع إقليمي
وتعكس زيارة الشرع إلى الرياض توجهاً سورياً نحو تثبيت العلاقات مع دول الخليج وتوسيع الحضور في الملفات الإقليمية، بعد سنوات من العزلة والتراجع السياسي. كما تشير مشاركة وزراء الدفاع والخارجية والمالية والصناعة ورئيس الاستخبارات العامة إلى أن العلاقة مع السعودية لم تعد محصورة في الجانب الدبلوماسي، بل باتت تشمل مسارات أمنية واقتصادية متداخلة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى نتائج اللقاءات والاتفاقيات المرتقبة، يبقى ملف «حلف مكة» أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً لما قد يحمله من انعكاسات على مستقبل العلاقات السورية الإقليمية.
وبين تعزيز الشراكة مع الرياض والانخراط المحتمل في ترتيبات دفاعية جديدة، تبدو دمشق أمام مرحلة تتطلب حسابات دقيقة، لا تقتصر على توسيع علاقاتها الخارجية، وإنما تتصل أيضاً بكيفية تحويل هذا الانفتاح إلى مكاسب ملموسة للسوريين، بعيداً عن الاكتفاء بالإعلانات السياسية والاتفاقيات التي تنتظر التنفيذ.