لكل السوريين

تركيا في النيجر.. انسحاب الغرب يفتح أبواب النفوذ العسكري الجديد

من المسيّرات إلى التدريب الميداني.. أنقرة توسّع حضورها الأمني في الساحل الإفريقي تحت شعار مكافحة الإرهاب، فيما تتزايد الأسئلة حول حدود التدخل وأهدافه الاستراتيجية

لم تعد النيجر مجرد دولة تواجه تمدد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي، بل تحولت إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس على النفوذ بعد تراجع الحضور العسكري الفرنسي والأميركي، حيث تتسابق قوى إقليمية ودولية لملء الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفه انسحاب الغرب. وفي قلب هذا التحول، تتحرك تركيا بخطوات متسارعة لتعزيز حضورها العسكري، مستفيدة من حاجة السلطة العسكرية في نيامي إلى شركاء جدد، ومن رغبتها في تقديم نفسها بديلاً عن القوى الغربية التقليدية.

لكن خلف الخطاب التركي الذي يركز على مكافحة الإرهاب والتعاون المتكافئ، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل تسعى أنقرة إلى مساعدة النيجر على استعادة أمنها، أم إلى بناء نفوذ طويل الأمد يجعل من التعاون العسكري مدخلاً لترسيخ حضورها في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا أهمية استراتيجية؟

من بيع السلاح إلى التدريب داخل النيجر

لم يبدأ الحضور العسكري التركي في النيجر مع الاتفاق الأخير، بل يعود إلى سنوات شهدت توسعاً تدريجياً في العلاقات الدفاعية بين البلدين. وخلال عامي 2021 و2022، حصلت النيجر على مسيّرات «بيرقدار TB2» وطائرات «Hürkuş-C» إلى جانب مركبات مدرعة، في إطار مساعٍ لتعزيز قدرات الجيش النيجري في مواجهة الجماعات المسلحة.

غير أن التطور الأبرز جاء في السابع من نيسان 2026، عندما وقع وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره النيجري ساليفو مودي بروتوكولاً بشأن تقديم الدعم التدريبي العسكري داخل الأراضي النيجرية، في خطوة تنقل التعاون من توريد المعدات إلى العمل المباشر مع المؤسسة العسكرية المحلية.

ويعني هذا التحول أن العلاقة لم تعد محصورة في صفقات السلاح، بل باتت تشمل تدريب العناصر العسكرية وتطوير الخبرات الفنية، وهو ما يمنح أنقرة موقعاً أكثر تأثيراً في بنية المؤسسة العسكرية النيجرية، ويجعل استمرار تشغيل المنظومات التركية مرتبطاً بدرجة أكبر بالدعم والخبرة التركية.

وتعزز هذا المسار خلال زيارة الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني إلى تركيا في الرابع من حزيران 2026، حيث اتفق الطرفان على توسيع التعاون في الدفاع والأمن والاستخبارات، إلى جانب قطاعات الطاقة والتعدين والتجارة والاستثمار. وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لتبادل خبراتها في مكافحة الإرهاب، فيما أشاد تياني بالدعم التركي.

النفوذ يبدأ من الميدان ولا ينتهي عند السلاح

تكمن أهمية التحرك التركي في أن أنقرة لا تدخل النيجر من بوابة عسكرية منفصلة عن السياسة والاقتصاد، بل تعمل على بناء شبكة مصالح متداخلة تجعل التعاون الأمني جزءاً من علاقة استراتيجية أوسع.

فالمسيّرات التركية، بما توفره من إمكانات المراقبة والاستهداف، تمنح الجيش النيجري أدوات جديدة في مواجهة الجماعات المسلحة، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام تركيا لتوسيع نفوذها التقني والتدريبي. ومع انتقال التدريب إلى الأراضي النيجرية، يصبح حضور الخبراء والمدربين أكثر ارتباطاً باحتياجات المؤسسة العسكرية اليومية.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن تركيا تسعى إلى تثبيت موقعها في النيجر باعتبارها نقطة ارتكاز للتوسع نحو دول الساحل وغرب إفريقيا، مستفيدة من تراجع القوى الغربية ومن رغبة السلطات العسكرية في تنويع شركائها. كما تحدثت تقارير في عام 2025 عن خطط لإرسال عناصر تركية لتقديم التدريب والمشورة، فيما لم تتضح بصورة مستقلة جميع تفاصيل حجم الانتشار وطبيعة المهام.

وهنا تتجاوز المسألة حدود مكافحة الإرهاب، لتصبح جزءاً من استراتيجية تركية أوسع تقوم على الجمع بين الصناعات الدفاعية والدبلوماسية والاقتصاد، وتحويل التعاون العسكري إلى مدخل لبناء نفوذ سياسي مستدام.

الكتابة

مكافحة الإرهاب.. نتائج لا تحسم الجدل

رغم توسيع التعاون العسكري، لا تزال النيجر تواجه تحديات أمنية متفاقمة، بما يكشف أن امتلاك المسيّرات وتطوير القدرات العسكرية لا يكفيان وحدهما لإنهاء التهديدات المسلحة. ففي شباط 2026، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» مقتل 17 مدنياً في ضربة نفذتها قوات الجيش النيجري باستخدام طائرة مسيّرة، دون أن تتمكن المنظمة من تحديد نوع الطائرة أو الذخيرة المستخدمة. وأشارت إلى امتلاك النيجر أنواعاً مختلفة من المسيّرات التركية، بينها «بيرقدار TB2»

وتعيد هذه الحادثة فتح النقاش حول مخاطر توسيع الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية، خصوصاً في بيئة تتداخل فيها العمليات الأمنية مع هشاشة المؤسسات وضعف الرقابة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة السلاح على إصابة أهدافه، وإنما بمدى ضمان استخدامه وفق قواعد واضحة تحمي المدنيين وتحاسب المسؤولين عن الانتهاكات.

وفي المقابل، لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على تنفيذ هجمات داخل مناطق استراتيجية، إذ تعرض مطار نيامي الدولي لهجوم في حزيران 2026، أسفر عن مقتل 11 عسكرياً ومدنيين اثنين، وفق تقارير دولية، في مؤشر على استمرار هشاشة الوضع الأمني رغم تعزيز القدرات العسكرية.

أنقرة ليست وحدها.. والساحل يتحول إلى ساحة تنافس

لا يمكن قراءة التحرك التركي بمعزل عن التنافس الدولي والإقليمي في النيجر. فروسيا تعمل على توسيع حضورها الأمني في دول الساحل، فيما تسعى الجزائر إلى حماية مصالحها الحدودية والاقتصادية، خصوصاً في ظل مشاريع الطاقة والأنابيب العابرة للصحراء.

وفي تطور لافت، أعلنت الجزائر في آب 2026 إرسال أربع طائرات مقاتلة من طراز «سوخوي 30» إلى النيجر، بناءً على طلب السلطات النيجرية، لدعم الجيش في مواجهة محاولة زعزعة الاستقرار. كما أقر البرلمان الجزائري في تشرين الأول نشر وحدات من الجيش في منطقة ماداما شمال النيجر، قرب الحدود الليبية، في خطوة تمثل تحولاً كبيراً في السياسة العسكرية الجزائرية الخارجية.

وبذلك، لم تعد النيجر ساحة لمواجهة الجماعات المسلحة فقط، بل باتت ميداناً تتقاطع فيه حسابات أنقرة وموسكو والجزائر، وسط محاولات كل طرف تثبيت موقعه في مرحلة ما بعد الانسحاب الغربي.

شراكة أمنية أم تبعية جديدة؟

تقدم تركيا نفسها باعتبارها شريكاً لا يفرض شروطاً سياسية مماثلة لتلك التي ارتبطت بالتعاون الغربي، وتستند في خطابها إلى مفهوم الشراكة المتكافئة واحترام السيادة. غير أن هذا الخطاب لا يلغي ضرورة مساءلة طبيعة العلاقة ومآلاتها، خصوصاً عندما تصبح المؤسسة العسكرية المحلية معتمدة على منظومات أجنبية في التدريب والصيانة والتشغيل.

فكلما توسع الاعتماد على المعدات والخبرات التركية، ازدادت قدرة أنقرة على التأثير في الخيارات الأمنية النيجرية، سواء بصورة مباشرة أو عبر المصالح المتشابكة التي تنشأ عن التعاون طويل الأمد. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تركيا تسعى إلى فرض وصاية على نيامي، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود الشراكة عندما يتحول السلاح إلى أداة نفوذ سياسي.

وفي بلد يعاني من استمرار الهجمات المسلحة وتراجع الخدمات واتساع الأزمات الإنسانية، يبقى الاختبار الحقيقي لأي تدخل خارجي مرتبطاً بقدرته على تحسين أمن السكان، لا بحجم الصفقات العسكرية أو عدد المدربين والمعدات التي تصل إلى البلاد.

وبينما تتقدم أنقرة بخطوات ثابتة نحو تثبيت حضورها في الساحل، تبدو النيجر أمام معادلة معقدة: البحث عن شركاء يعززون قدرتها على مواجهة الإرهاب، دون الوقوع في دائرة جديدة من التبعية الأمنية. فاستبدال النفوذ الفرنسي أو الأميركي بنفوذ تركي أو روسي لا يضمن وحده استعادة السيادة، ما لم تقترن الشراكات العسكرية برقابة مؤسساتية، ومحاسبة على الانتهاكات، واستراتيجية تنموية تعالج جذور العنف والفقر والتهميش.

- Advertisement -

- Advertisement -