لم يكن الإعلان عن إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص النفطية مجرد خبر أمني عابر، بل أعاد فتح ملف حماية المنشآت الحيوية في سوريا، في وقت تواجه فيه البنية التحتية للطاقة سلسلة من الاعتداءات التخريبية التي تهدد استقرار الإمدادات وتزيد الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
في الأول من تشرين الثاني 2026، نقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر في جهاز الاستخبارات العامة إحباط مخطط إرهابي كان يستهدف مصفاة حمص، إحدى أبرز المنشآت النفطية في البلاد. لكن الإعلان، الذي جاء مقتضباً، لم يكشف هوية الجهة التي تقف وراء المخطط، أو طبيعة التهديد، أو كيفية إحباطه، كما لم يتضمن معلومات عن توقيف مشتبه بهم أو نتائج عملية أمنية محددة.
وبحسب ما أوردته وكالة الأناضول، صححت «سانا» خبرها الأول الذي أشار إلى مصفاة بانياس، مؤكدة أن المنشأة المستهدفة هي مصفاة حمص. ولم تقدم الوكالة في خبرها المصحح تفاصيل إضافية عن المخطط أو الجهة المنفذة.
منشأة استراتيجية في قلب الاقتصاد
تأسست مصفاة حمص عام 1959، وتعد إلى جانب مصفاة بانياس إحدى الركيزتين الأساسيتين لتكرير النفط في سوريا. ولا تقتصر أهمية المصفاة على موقعها الصناعي، بل تمتد إلى دورها في تأمين المشتقات النفطية التي تحتاجها قطاعات النقل والصناعة والخدمات، وفي مقدمتها المازوت والفيول والكيروسين.
وتزداد أهمية هذه المنشأة في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد، حيث يشكل تأمين الوقود أحد أبرز التحديات المرتبطة باستقرار الأسواق وتكاليف الإنتاج والنقل والتدفئة.
وفي تشرين الأول الماضي، أعادت المصفاة وحدة التقطير الجوي رقم 10 إلى الخدمة بعد أعمال التأهيل والصيانة، بطاقة تصميمية تبلغ مليون طن من النفط الخام سنوياً، في خطوة تهدف إلى تعزيز إنتاج المشتقات النفطية وتحسين توافرها في السوق المحلية.
ويعني ذلك أن استهداف المصفاة، في حال وقوعه، لا يقتصر تأثيره المحتمل على منشأة صناعية واحدة، بل قد يمتد إلى منظومة الإمدادات النفطية، ويضع ضغوطاً إضافية على سوق يعاني أصلاً من اختلالات في التوافر والأسعار.
22 اعتداءً على الخطوط النفطية.. مؤشرات مقلقة
لا يأتي الإعلان عن إحباط المخطط بمعزل عن تطورات شهدها قطاع الطاقة السوري خلال العام الجاري.
ففي تقرير نشرته «سانا» في 29 تشرين الأول، نقلت عن وزير الطاقة محمد البشير تسجيل 22 اعتداءً على الخطوط النفطية منذ بداية عام 2026، توزعت بين أعمال تخريب وتفجير وثقب خطوط بقصد سرقة النفط والمشتقات.
ومن بين الحوادث التي وثقتها التقارير الرسمية، تعرض خط النفط قرب تل حميس في ريف الحسكة لاعتداء تخريبي في السابع من تشرين الأول، ما ألحق أضراراً بالخط واستدعى تدخل فرق الصيانة والطوارئ لعزله وإصلاحه.
كما تعرض خط نقل المشتقات النفطية الممتد من بانياس إلى حمص، قرب قرية حديدة في ريف حمص الغربي، لعمل تخريبي بهدف السرقة في تشرين الأول، أدى إلى تسرب كميات من البنزين.
وفي أواخر أيلول، تسبب انفجار في خط غاز قرب دير الزور بتوقف إمدادات الغاز عن محطات توليد الكهرباء، فيما أعلنت السلطات أن الحادث ناجم عن عمل تخريبي.
هذه الوقائع، وإن اختلفت طبيعتها وأهدافها، تكشف عن اتساع دائرة المخاطر التي تواجه البنية التحتية للطاقة، بدءاً من سرقة المشتقات وصولاً إلى أعمال التخريب التي قد تؤدي إلى تعطيل الإمدادات.
هل تشكل الاعتداءات نمطاً منظماً؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بقدرة الأجهزة الأمنية على إحباط مخطط هنا أو تفكيك خلية هناك، بل بمدى وجود استراتيجية متكاملة لحماية المنشآت والخطوط النفطية والغازية.
وفي تقرير نشرته شبكة «الشرق» في الثاني من تشرين الأول، تناولت فيه الاعتداءات المتكررة على قطاع الطاقة، أشارت إلى أن التحقيقات الرسمية أثبتت تعرض خط غاز الجبسة لعمل تخريبي، بينما بقيت بعض الحوادث الأخرى بحاجة إلى توضيحات بشأن أسبابها وملابساتها.
كما نقل التقرير عن مصادر وتحليلات أمنية احتمالات تتعلق بمحاولات إضعاف البنية التحتية، لكنه أشار إلى أن التحقيقات لم تثبت وجود رابط بين مختلف الحوادث أو وجود جهة واحدة تقف وراءها.
وبالتالي، فإن الربط بين مخطط استهداف مصفاة حمص والاعتداءات السابقة على خطوط النفط والغاز يبقى فرضية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات رسمية، وليس حقيقة يمكن الجزم بها في الوقت الحالي.
بين الإعلان الأمني والشفافية المطلوبة
رغم أهمية الإعلان عن إحباط المخطط، فإن غياب التفاصيل يترك مساحة واسعة من التساؤلات أمام الرأي العام.
فهل كان المخطط في مرحلة التخطيط الأولي، أم وصل إلى مرحلة متقدمة من التنفيذ؟ وهل جرى توقيف أشخاص على خلفيته؟ وما الإجراءات التي اتخذت لتعزيز حماية المصفاة والمنشآت النفطية الأخرى؟
لا تعني هذه الأسئلة المطالبة بكشف معلومات أمنية حساسة أو تفاصيل قد تعرض المنشآت للخطر، لكنها تبرز الحاجة إلى تقديم معلومات عامة كافية توضح طبيعة التهديد، ونتائج التحقيقات، والإجراءات الوقائية التي اتخذتها الجهات المعنية.
وفي بلد يعاني من نقص الوقود وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف الطاقة، لا يمكن التعامل مع حماية المنشآت النفطية باعتبارها ملفاً أمنياً منفصلاً عن الحياة اليومية للمواطنين.
أمن الطاقة.. مسؤولية تتجاوز الحراسة
تتجاوز حماية مصفاة حمص تأمين محيطها المباشر، لتشمل منظومة أوسع من الإجراءات الفنية والأمنية، ومراقبة خطوط النقل، والاستجابة السريعة للأعطال والاعتداءات، وضمان استمرارية العمل في حال وقوع طارئ.
كما أن حماية هذه المنشآت تتطلب تنسيقاً بين الجهات الأمنية والمؤسسات النفطية والفرق الفنية، إلى جانب خطط واضحة للتعامل مع الأزمات ومنع تحول أي حادث محدود إلى أزمة إمدادات واسعة.
وفي ظل تسجيل عشرات الاعتداءات على الخطوط النفطية خلال العام الجاري، يصبح تعزيز أمن الطاقة ضرورة اقتصادية وخدمية، لا مجرد إجراء احترازي.
ويبقى إحباط مخطط استهداف مصفاة حمص خطوة مهمة في حماية منشأة حيوية، لكنه لا ينهي الأسئلة المتعلقة بمستوى التهديد الذي تواجهه البنية التحتية السورية.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الإجراءات الأمنية لا يكمن فقط في إعلان إحباط المخططات، بل في القدرة على منع تكرار الاعتداءات، وحماية المنشآت، وضمان استمرار وصول الطاقة إلى المواطنين.