لكل السوريين

المرأة السورية في وسائل النقل.. رحلة يومية بين الازدحام والتحرش والخوف

بين الحافلات المكتظة والسرافيس التي لا تتوقف طويلاً عند المحطات، تواجه نساء في دمشق تحديات تتجاوز الوصول إلى العمل والجامعة؛ فالاكتظاظ قد يتحول إلى مساحة للمضايقات، فيما يجعل الخوف من الإحراج أو غياب الاستجابة بعض النساء يترددن في الاعتراض.

في ساعات الصباح، حين تبدأ شوارع دمشق بالازدحام وتتحول مواقف النقل العام إلى نقاط انتظار مكتظة، تقف النساء بين عشرات الركاب، تراقب كل واحدة منهن وصول الحافلة أو السرفيس الذي سيقلّها إلى عملها أو جامعتها أو إلى موعد لا تستطيع التأخر عنه. وحين تصل وسيلة النقل، يبدأ سباق آخر: من سيتمكن من الصعود، ومن سيضطر إلى انتظار وسيلة أخرى، ومن سيجد مكاناً يقف فيه طوال الطريق؟

بالنسبة إلى كثير من النساء، لا تنتهي المعاناة بمجرد الصعود. فداخل المساحة الضيقة، تتداخل الأجساد مع حركة المركبة وتوقفها المتكرر، ويصبح الحفاظ على المسافة الشخصية أمراً صعباً، ولا سيما عندما تمتلئ المقاعد ويقف الركاب في الممرات. وفي مثل هذه الظروف، قد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى مراقبة محيطها باستمرار، والانتباه إلى حركة من يقف خلفها أو بجوارها، بدلاً من أن تقضي رحلتها بصورة طبيعية.

ليست هذه الصورة مجرد تفصيل عابر في أزمة النقل، بل تكشف جانباً من العبء الاجتماعي الذي تتحمله المرأة عندما تصبح وسيلة الوصول إلى العمل أو التعليم مصدراً إضافياً للقلق. فبين أجرة النقل التي ينبغي أن تتناسب مع دخل الأسرة، والوقت الذي يضيع في الانتظار، والمخاوف المرتبطة بالتحرش، تجد نساء أنفسهن أمام خيارات محدودة، خصوصاً عندما لا تسمح إمكاناتهن باستخدام سيارة أجرة أو وسيلة نقل خاصة.

ازدحام يضاعف الشعور بعدم الأمان

تعاني منظومة النقل العام في دمشق وريفها من تحديات تتعلق بالازدحام والانتظار وانتظام الرحلات وملاءمة بعض المركبات لأعداد الركاب. وقد تناولت تقارير صحفية سورية هذه المشكلات، مشيرة إلى أن الاكتظاظ وتراجع خيارات التنقل يضاعفان الأعباء اليومية على مستخدمي وسائل النقل، وبينهم النساء اللواتي يعتمدن عليها للوصول إلى أعمالهن ودراستهن.

في الحافلات والسرافيس المكتظة، لا تملك الراكبة دائماً القدرة على اختيار مكانها أو تغيير وقفتها أو الابتعاد عن شخص يضايقها. وقد تجد نفسها محاصرة بين الركاب، غير قادرة على التحرك بسهولة، بينما تجعل حركة المركبة المفاجئة والتوقف المتكرر من الصعب أحياناً التمييز بين الاحتكاك العارض والسلوك المتعمد.

لكن الازدحام، مهما بلغت شدته، لا يبرر التحرش ولا يعفي مرتكبه من المسؤولية. فالمشكلة تبدأ عندما يستغل شخص ضيق المساحة ليتجاوز حدود الآخرين، ثم تتفاقم عندما لا يجد من يردعه، أو عندما تشعر المرأة بأن الاعتراض قد يضعها في مواجهة أكبر من قدرتها على الاحتمال.

وسبق أن وثقت تقارير صحفية سورية شهادات لنساء تحدثن عن تعرضهن لمضايقات لفظية واحتكاكات جسدية داخل وسائل النقل في دمشق وريفها، وعن عدم استجابة بعض السائقين لشكواهن. وتكشف هذه الشهادات أن المشكلة ليست مرتبطة بالازدحام وحده، بل تتصل أيضاً بطريقة التعامل مع الشكاوى ومدى استعداد المحيطين للتدخل لحماية المتضررة.

التحرش الذي لا ينتهي عند لحظة وقوعه

قد تبدأ المضايقة بنظرات متعمدة أو كلمات غير مرغوبة، وقد تتطور إلى ملاحقة أو احتكاك جسدي يستغل ضيق المساحة. وفي الحالتين، لا يمكن قياس أثر التحرش باللحظة التي يقع فيها فقط، لأن ما يتركه من قلق قد يمتد إلى الرحلات التالية، ويغير الطريقة التي تتحرك بها المرأة في المدينة.

بعض النساء قد يفضلن الصمت لتجنب لفت الأنظار، فيما تتردد أخريات في مواجهة المتحرش خوفاً من رد فعله أو من تحول الموقف إلى مشادة أمام الركاب. وقد تخشى المرأة أيضاً أن تجد نفسها موضع تشكيك أو لوم بدلاً من الحصول على الدعم، ولا سيما إذا لم يكن هناك من يشهد لصالحها أو يتدخل لوقف المضايقة.

وهكذا، قد تتحول رحلة قصيرة إلى اختبار يومي للأعصاب؛ إذ لا تفكر الراكبة في موعد وصولها فحسب، بل في المكان الذي ستقف فيه، وكيف ستتصرف إذا تعرضت لمضايقة، وما إذا كان أحد سيساندها إن قررت الاعتراض.

ولا يعني هذا أن جميع الرحلات تنطوي على خطر، أو أن جميع السائقين والركاب يتجاهلون ما تتعرض له النساء. لكن وجود شكاوى وشهادات منشورة عن هذه الوقائع يكفي للتأكيد على أن توفير النقل لا ينبغي أن يُقاس بعدد المركبات التي تسير في الشوارع وحده، بل بقدرة الركاب على استخدامها دون خوف أو انتقاص من كرامتهم.

بين الصمت والخوف من المواجهة

لا تقتصر آثار التحرش على المرأة التي تتعرض له مباشرة؛ إذ يمكن أن يمتد أثره إلى قراراتها المتعلقة بالعمل والدراسة والتنقل. فقد تضطر امرأة إلى تغيير موعد خروجها، أو البحث عن رفيقة ترافقها، أو تجنب خط نقل معين، أو رفض فرصة عمل تتطلب العودة في ساعات متأخرة، إذا شعرت بأن الطريق إليها لا يوفر الحد الأدنى من الأمان.

وتزداد هذه الأعباء عندما تكون المرأة مسؤولة عن إعالة أسرتها أو رعاية أطفالها، أو عندما يكون دوامها مرتبطاً بمواعيد ثابتة لا تسمح لها بتأخير رحلتها حتى تخف حدة الازدحام. فالانسحاب من وسيلة النقل ليس خياراً متاحاً للجميع، كما أن اللجوء إلى وسائل أكثر كلفة قد يقتطع جزءاً مهماً من دخل محدود أصلاً.

وفي هذا السياق، يصبح الصمت الذي قد يرافق بعض حالات التحرش مسألة تستحق الفهم، لا الإدانة. فالمرأة التي لا تعترض علناً ليست بالضرورة موافقة أو غير متضررة؛ قد تكون ببساطة تحاول إنهاء الرحلة بأقل قدر من الأذى، أو تخشى أن يؤدي التصعيد إلى مشادة لا تستطيع السيطرة عليها.

ومن هنا، فإن مطالبة النساء بالإبلاغ عن كل واقعة، من دون توفير آليات واضحة وآمنة للشكوى، لا تكفي وحدها لمعالجة المشكلة. المطلوب أن تعرف الراكبة إلى من تتوجه، وكيف تقدم شكواها، وما الذي سيحدث بعدها، وأن تثق بأن الإبلاغ لن يتحول إلى عبء إضافي عليها.

هل يكفي الفصل بين الرجال والنساء؟

أثارت ترتيبات غير رسمية للفصل بين الرجال والنساء في بعض وسائل النقل في دمشق نقاشاً حول الطريقة الأنسب لتعزيز الأمان. وتناولت تقارير منشورة خلال عام 2025 وضع ملصقات أو تعليمات تدعو إلى تخصيص أماكن للنساء وأخرى للرجال في بعض الحافلات، وسط اعتراضات على غياب الوضوح بشأن طبيعة هذه الإجراءات وآلية تطبيقها.

وقد يرى بعض الركاب في تخصيص أماكن للنساء وسيلة لتقليل الاحتكاك في المركبات المكتظة، لكن هذا الإجراء، بمفرده، لا يعالج جذور المشكلة. فالتحرش ليس نتيجة وجود النساء والرجال في المكان نفسه، وإنما سلوك يتحمل مرتكبه مسؤوليته، ولا يمكن ضمان عدم وقوعه بمجرد تغيير ترتيب المقاعد.

كما أن الفصل غير المنظم قد يخلق مشكلات إضافية إذا طُبق بصورة عشوائية، أو إذا أدى إلى تقييد حرية النساء في اختيار أماكنهن أو التنقل وفق احتياجاتهن. فالحماية الحقيقية لا تعني نقل العبء إلى المرأة، ولا مطالبتها بتغيير سلوكها أو التخلي عن حقها في استخدام المرافق العامة حتى تتجنب أذى الآخرين.

المطلوب هو الجمع بين تنظيم النقل، وتطبيق القواعد التي تمنع الاعتداء والمضايقة، وتوفير آليات للإبلاغ والتدخل، إلى جانب التوعية المجتمعية التي تجعل احترام المساحة الشخصية مسؤولية مشتركة، لا مطلباً تتحمله النساء وحدهن.

مسؤولية لا تقع على المرأة وحدها

تبدأ معالجة المشكلة من داخل منظومة النقل نفسها. فالسائق ليس مسؤولاً عن قيادة المركبة وتحصيل الأجرة فقط، بل ينبغي أن يكون قادراً على التعامل مع الشكاوى المتعلقة بسلامة الركاب، وفق إجراءات واضحة لا تترك المتضررة رهينة تقديره الشخصي أو رغبته في تجنب المشكلات.

ويبرز هنا دور الجهات المشرفة على النقل في وضع قواعد معلنة للتعامل مع التحرش والمضايقات، وتوفير وسيلة واضحة لتقديم الشكاوى ومتابعتها، والتحقق من الوقائع، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين وفق القانون. كما أن تدريب السائقين والعاملين في النقل على كيفية التعامل مع هذه الحالات يمكن أن يساعد في الحد من التجاهل أو التصعيد غير الضروري.

وفي المقابل، تقع على الركاب مسؤولية أخلاقية واجتماعية؛ فالتدخل الآمن لمساندة امرأة تتعرض للمضايقة، أو إبلاغ السائق، أو مساعدة المتضررة على الوصول إلى جهة مختصة، قد يمنع استمرار الاعتداء. أما الصمت الجماعي، عندما يكون التدخل ممكناً وآمناً، فقد يمنح المتحرش شعوراً بأن سلوكه لن يواجه أي عواقب.

حق في التنقل بلا خوف

لا تحتاج المرأة السورية إلى امتياز خاص كي تصل إلى عملها أو جامعتها بأمان؛ ما تحتاج إليه هو حق أساسي في استخدام الطريق ووسائل النقل العامة دون أن تتحول الرحلة إلى تجربة من القلق والترقب.

وفي دمشق، كما في غيرها من المدن السورية، لا يمكن فصل الحديث عن أمان النساء في المواصلات عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل النقل العام ضرورة يومية لشرائح واسعة من السكان. فحين تكون الخيارات محدودة، لا يعود تجنب وسيلة نقل غير مريحة أمراً بسيطاً، بل قد يعني التأخر عن العمل أو خسارة جزء من الدخل أو التخلي عن فرصة تعليمية.

في النهاية، ليست المشكلة أن المرأة السورية تصعد إلى الحافلة أو السرفيس، بل أن تضطر أحياناً إلى التفكير في سلامتها أكثر مما تفكر في وجهتها. وبين موقف وآخر، يبقى الاختبار الحقيقي أمام الجهات المعنية والمجتمع هو تحويل النقل العام من ضرورة مثقلة بالقلق إلى خدمة تحفظ للمرأة حقها في الحركة والعمل والتعلم والحياة.

- Advertisement -

- Advertisement -