تواجه الأسواق السورية ضغوطاً متزايدة مع تراجع قيمة الليرة أمام الدولار والعملات الأجنبية في السوق الموازية، في تطور يثير مخاوف من انعكاساته على أسعار السلع الأساسية وتكاليف المعيشة، وسط أوضاع اقتصادية صعبة تجعل قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها اليومية أكثر هشاشة.
وبحسب الأسعار المتداولة يوم الاثنين 26 تشرين الأول 2026، بلغ سعر الدولار 142.75 ليرة للشراء و143.50 ليرة للمبيع، وفق التسعيرة الواردة في بيانات السوق. ويعكس هذا التراجع استمرار حالة عدم الاستقرار في سوق الصرف، فيما يبقى أثره على حياة السوريين مرتبطاً بمدى انتقال تغيرات سعر الدولار إلى أسعار المواد الغذائية والدواء والوقود والسلع المستوردة.
ولا تقتصر آثار انخفاض العملة المحلية على حركة الصرافة أو التعاملات التجارية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ تعتمد الأسواق السورية بدرجات متفاوتة على السلع المستوردة أو المواد الأولية المرتبطة بتكاليف الاستيراد والنقل. ومع ارتفاع تكلفة تأمين هذه المواد، يجد التجار أنفسهم أمام خيارات صعبة بين تعديل الأسعار أو تقليص هوامش الأرباح أو تأجيل عمليات الشراء، بينما يتحمل المستهلك في كثير من الأحيان الجزء الأكبر من الأعباء.
أسعار تتغير ودخل لا يواكب
تتمثل المشكلة الأساسية بالنسبة إلى غالبية الأسر السورية في الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. فحتى عندما يكون ارتفاع الأسعار محدوداً في بعض السلع، فإن تراكم الزيادات في الغذاء والنقل والدواء والخدمات يفرض أعباء إضافية على ميزانيات الأسر، ولا سيما تلك التي تعتمد على رواتب ثابتة أو أعمال يومية لا تضمن دخلاً مستقراً.
ومع تراجع القوة الشرائية، تضطر عائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فتقلل مشترياتها أو تستبدل بعض المنتجات بأخرى أقل تكلفة، فيما تؤجل احتياجات غير عاجلة لتأمين الضروريات. وقد لا يظهر هذا الضغط في صورة نقص واضح في الأسواق، لكنه ينعكس في تراجع قدرة المستهلك على الشراء، حتى مع استمرار توفر السلع.
وتزداد حدة هذه المشكلة عندما تتغير الأسعار بوتيرة أسرع من قدرة الأجور على التكيف معها. فالدخل الذي كان يكفي لتغطية جزء من احتياجات الأسرة قد يفقد جانباً من قيمته خلال فترة قصيرة، الأمر الذي يجعل التخطيط للمصروفات الشهرية أكثر صعوبة، ويزيد اعتماد بعض الأسر على الاستدانة أو المساعدات والتحويلات المالية من الخارج.
الدولار حاضر في تسعير السلع
يرتبط سعر الصرف بتكاليف الاستيراد، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد الأسعار داخل السوق السورية. فتكلفة النقل والطاقة والتخزين والرسوم، إلى جانب حجم المعروض والمنافسة بين التجار والطلب على السلع، كلها عوامل تؤثر في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
كما أن أثر ارتفاع الدولار لا يظهر بالضرورة في جميع السلع بالسرعة نفسها؛ إذ تختلف الاستجابة تبعاً لمخزون التجار، ومواعيد شراء البضائع، ومصدر المواد الأولية، وطبيعة العقود التجارية. وفي المقابل، قد تستمر بعض الأسعار في الارتفاع حتى إذا تحسن سعر الصرف لاحقاً، ما لم تتراجع التكاليف الأخرى أو تتوافر منافسة كافية تدفع الأسعار إلى الانخفاض.
وتبرز هنا مشكلة غياب الاستقرار السعري، إذ يصبح المستهلك أقل قدرة على معرفة التكلفة الحقيقية لاحتياجاته، فيما يواجه أصحاب الأعمال صعوبة في تحديد أسعار البيع والتخطيط للمشتريات. ويؤدي استمرار التقلبات، إذا لم تقترن بإجراءات اقتصادية واضحة، إلى زيادة حالة الحذر في الأسواق وإضعاف الثقة بالعملة المحلية.
من تقلبات الصرف إلى الضغوط الاجتماعية
لا تقف تداعيات تراجع الليرة عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى جوانب اجتماعية تتصل بمستوى المعيشة والأمن الغذائي والقدرة على الحصول على الخدمات الأساسية. فعندما تستحوذ نفقات الطعام والسكن والنقل على الحصة الأكبر من دخل الأسرة، تتقلص المساحة المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والملابس وغيرها من الاحتياجات.
وتكون الأسر ذات الدخل المحدود الأكثر تعرضاً لهذه الضغوط، لأنها تملك قدرة أقل على امتصاص الزيادات أو الاستفادة من المدخرات. كما تتأثر الأسر التي تعتمد على الأجور اليومية أو الأعمال غير المستقرة، إذ قد ترتفع الأسعار قبل أن تتمكن من زيادة دخلها، فتتسع الفجوة بين ما تكسبه وما تحتاج إليه.
وفي هذا السياق، لا يكفي قياس الوضع الاقتصادي من خلال سعر الدولار وحده، بل يتطلب الأمر متابعة أسعار سلة واسعة من السلع والخدمات، ومقارنتها بمستويات الأجور الفعلية، ورصد التغير في القدرة الشرائية للأسر. فالمؤشر الأهم بالنسبة إلى المواطن ليس عدد الليرات اللازمة لشراء الدولار فحسب، بل مقدار ما يستطيع دخله تأمينه من غذاء ودواء واحتياجات أساسية.
استقرار السوق يحتاج إلى إجراءات ملموسة
تتطلب مواجهة الضغوط الاقتصادية معالجة مجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ بتعزيز استقرار السياسة النقدية وتحسين إدارة السيولة، ولا تنتهي عند مراقبة الأسواق ومكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار. كما أن توفير بيانات دورية وموثوقة عن سعر الصرف والتضخم وتكاليف السلع يساعد على فهم اتجاهات السوق والحد من انتشار المعلومات المضللة.
ويظل ضبط الأسعار بصورة إدارية وحده غير كافٍ إذا لم يترافق مع معالجة تكاليف الإنتاج والاستيراد والنقل، وتحسين توافر السلع، وتعزيز المنافسة، وتوفير بيئة أكثر وضوحاً للتجار والمستهلكين. وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى إجراءات اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر تضرراً، بما يساعدها على تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل محدودية الدخل.
ومع استمرار تقلبات سعر الصرف، يبقى التحدي الأساسي أمام الاقتصاد السوري في الحد من انتقال الاضطرابات النقدية إلى موائد الأسر واحتياجاتها اليومية. فاستقرار العملة لا يُقاس بالأرقام المتداولة في سوق الصرافة وحدها، وإنما بقدرته على حماية القوة الشرائية، وتهيئة ظروف تسمح للمواطن بتلبية احتياجاته دون أن تتحول كل موجة ارتفاع جديدة إلى عبء إضافي على حياته.