السوري ـ دمشق
مع بدء موسم الحج وازدياد حركة السفر من وإلى سوريا، عاد مطار دمشق الدولي إلى واجهة النقاش العام، ليس بوصفه البوابة الجوية الرئيسية للبلاد فحسب، بل أيضًا كنموذج واضح لحجم التحديات التي تواجه قطاع الطيران السوري بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والتراجع التقني.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد المطار حركة مكثفة مع انطلاق رحلات الحجاج السوريين نحو الأراضي المقدسة، في وقت تؤكد فيه تقارير محلية وإعلامية أن البنية التحتية للمطار ما تزال تعاني من تهالك واضح، خاصة في المدرجات وأنظمة الملاحة الجوية والطائرات المستخدمة في الرحلات المدنية.
بنية تحتية “متعبة جدًا”
مدير مطار دمشق الدولي أنيس فلوح كان قد أقرّ في تصريحات صحفية سابقة بأن المطار يعمل “بالحد الأدنى”، مشيرًا إلى أن أبرز التحديات تكمن في البنية التحتية القديمة والمساعدات الملاحية المتعبة جدًا، رغم استمرار العمل على إعادة التأهيل التدريجي للمرفق الحيوي.
ويقول مختصون في قطاع الطيران إن مدرجات المطار تعرضت خلال السنوات الماضية لأضرار متكررة نتيجة الغارات الجوية التي استهدفت المطار أكثر من مرة، ما أدى إلى خروج بعض المدارج عن الخدمة لفترات متفاوتة، قبل أن تبدأ عمليات ترميم جزئية ومتقطعة لإعادتها للعمل.
وتشير تقارير إعلامية سورية إلى أن أعمال إعادة التأهيل الحالية تشمل المدرجات والصالات الداخلية وأنظمة المراقبة وأجهزة الاتصالات داخل برج المراقبة، إضافة إلى خطط لتركيب رادار حديث بالتعاون مع جهات خارجية.
ضغط الحج يكشف هشاشة التشغيل
ومع توافد آلاف الحجاج السوريين عبر مطار دمشق خلال موسم الحج، برزت تحديات تشغيلية واضحة، تمثلت في الازدحام وتأخر بعض الرحلات وارتفاع الضغط على الكوادر والخدمات الأرضية.
وبحسب الهيئة العامة للطيران المدني السورية، فإن المطار يشهد حاليًا ما بين 22 و25 رحلة يوميًا، مع استقبال ما يصل إلى 4 آلاف مسافر يوميًا، وهي أرقام تضغط بشكل مباشر على منشأة لم تستكمل بعد عمليات تحديثها التقنية الكاملة.
ويرى خبراء أن مواسم الذروة، وفي مقدمتها موسم الحج، تُظهر بشكل واضح الحاجة الملحّة لإعادة تأهيل شاملة للمطار بدل الاكتفاء بالحلول الإسعافية والترميمات المرحلية.
طائرات قديمة وخيارات محدودة
ولا تتوقف التحديات عند حدود المطار نفسه، بل تمتد إلى أسطول الطيران السوري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على طائرات قديمة دخل بعضها الخدمة منذ عقود، وسط صعوبات كبيرة في تحديث الأسطول بسبب العقوبات ونقص التمويل وقيود الصيانة وقطع الغيار.
وتستخدم الخطوط الجوية السورية وعدد من الشركات المحلية طائرات قديمة نسبيًا مقارنة بالمعايير الحديثة المعتمدة في شركات الطيران الإقليمية، ما ينعكس على جودة الخدمة وكفاءة التشغيل واستهلاك الوقود، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الصيانة.
ويؤكد مختصون أن تقادم الطائرات لا يعني بالضرورة غياب السلامة الجوية، إذ تخضع الطائرات لصيانات دورية، إلا أن استمرار الاعتماد على أساطيل قديمة يقلل من القدرة التنافسية لشركات الطيران السورية ويزيد من الأعباء التشغيلية.
محاولات إنقاذ وتحديث تدريجي
في المقابل، تؤكد السلطات السورية أن هناك خطة لتطوير مطار دمشق الدولي ورفع قدرته الاستيعابية، مع عودة تدريجية لبعض شركات الطيران العربية والأجنبية للعمل عبر دمشق.
كما تحدثت تقارير عن مشاريع استثمارية مستقبلية تهدف إلى توسيع المطار ورفع طاقته الاستيعابية على مراحل خلال السنوات المقبلة.
وفي فبراير/شباط 2025 أعلنت تركيا إرسال فريق تقني يضم 25 خبيرًا للمساهمة في إعادة تأهيل مطار دمشق الدولي، مع تزويده بمعدات تقنية وأجهزة خاصة بالمراقبة الجوية والاتصالات.
بين الحاجة الملحّة والواقع الاقتصادي
ورغم كل خطط التطوير المعلنة، يبقى واقع قطاع الطيران السوري مرتبطًا بالوضع الاقتصادي العام في البلاد، والذي يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل والعقوبات والبنية التحتية المتضررة.
ومع كل موسم سفر جديد، يعود السؤال ذاته: هل تكفي عمليات الترميم الجزئية لإعادة مطار دمشق الدولي إلى مستوى المطارات الإقليمية الحديثة، أم أن القطاع يحتاج إلى إعادة بناء شاملة تبدأ من المدرجات ولا تنتهي عند تحديث الأسطول الجوي؟
في الوقت الحالي، يبدو أن المطار يواصل العمل تحت ضغط الحاجة، مستندًا إلى حلول مرحلية تبقيه في الخدمة، بينما ينتظر السوريون مشروع تحديث حقيقي يعيد لبوابتهم الجوية الرئيسية قدرتها على مواكبة حركة السفر المتزايدة، خاصة في المواسم الكبرى كموسم الحج.