لكل السوريين

غارات الأردن تضع دمشق أمام اختبار السيادة.. خمسة مدنيين قتلى في درعا

لم تعد الغارات الجوية الأردنية على جنوب سوريا مجرد عملية عسكرية تقول عمّان إنها تستهدف جماعات متهمة بالإرهاب، بل فتحت الباب أمام تساؤلات حساسة بشأن حماية المدنيين، وحدود التنسيق الأمني بين دمشق وعمّان، وقدرة السلطات السورية على ضبط المناطق الحدودية ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الأمنية الإقليمية.

وأعلنت القوات المسلحة الأردنية، الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر، تنفيذ عملية جوية أطلقت عليها اسم «الردع الأردني – حمود»، استهدفت مواقع قالت إنها تعود لتنظيمات إرهابية في جنوب شرق سوريا، وربطت العملية بالهجوم المسلح الذي استهدف مشيعين خلال جنازة في كنيسة مار جرجس بقرية حمود في محافظة الكرك الأردنية، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة آخرين.

لكن الرواية الأردنية لم تكن الوحيدة التي خرجت من هذه التطورات؛ إذ أعلنت مديرية صحة درعا، عبر وكالة الأنباء السورية «سانا»، مقتل خمسة مدنيين، بينهم نساء وأطفال ورجل مسن، جراء الغارات، إضافة إلى إصابة شخصين في ريف درعا. وهكذا انتقل الحدث من إعلان أردني عن ملاحقة جماعات مسلحة إلى قضية تحمل أبعاداً إنسانية وسياسية تتعلق بنتائج الضربات داخل الأراضي السورية.

دمشق تدين الإرهاب وتواجه تداعيات الغارات

كان الموقف السوري الرسمي المعلن قبل الغارات واضحاً في رفض الاعتداء الذي استهدف الكنيسة الأردنية. فقد أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في بيان صدر يوم الجمعة 23 تشرين الأول، الهجوم، وأكدت تضامن سوريا الكامل مع الأردن قيادةً وشعباً، ورفضها القاطع لجميع أشكال الإرهاب التي تستهدف أمن المواطنين واستقرار المجتمعات.

ويعكس هذا الموقف تقاطعاً سورياً أردنياً في رفض الإرهاب، ولا سيما عندما يستهدف المدنيين ودور العبادة، لكنه لا يلغي الأسئلة التي أثارتها الضربات الجوية اللاحقة، خصوصاً بعد ورود معلومات عن سقوط ضحايا مدنيين داخل سوريا.

وفي المقابل، قالت القوات المسلحة الأردنية إن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، وإن منفذي هجوم الكرك يرتبطون بالتنظيمات التي استهدفتها المقاتلات الأردنية. غير أن الإعلان الأردني لم يحدد أسماء تلك التنظيمات، ولم يقدم حصيلة رقمية دقيقة للخسائر التي قال إنها لحقت بها.

وحتى إعداد هذا التقرير، لم يتضح في المعلومات الرسمية المنشورة موقف سوري تفصيلي من آلية تنفيذ الغارات، أو طبيعة التنسيق المعلن، أو الإجراءات التي ستتخذ بشأن سقوط الضحايا المدنيين. ولا يعني غياب بيان تفصيلي أن دمشق رفضت العملية أو وافقت على جميع نتائجها؛ فهذه مسائل تحتاج إلى توضيح رسمي مستقل.

خمسة مدنيين قتلى.. أسئلة عن الأهداف والنتائج

أفادت وكالة «سانا»، نقلاً عن مدير صحة درعا، بمقتل خمسة مدنيين جراء الغارات الأردنية التي استهدفت مواقع في ريف المحافظة. وذكرت أن رجلاً يبلغ 65 عاماً توفي متأثراً بإصابته بشظايا القصف بعد وصوله إلى مشفى درعا الوطني، فيما نُقل مصابان من بلدة المزيريب إلى مشفى طفس الوطني.

وسبقت ذلك تقارير إعلامية سورية عن انفجارات في محيط بلدتي نصيب والمزيريب، كما تحدثت وسائل إعلام محلية عن استهداف مواقع في ريفي درعا والسويداء. ولا تزال تفاصيل الأضرار وطبيعة جميع المواقع المستهدفة بحاجة إلى تحقق مستقل، خصوصاً في ظل تضارب المعلومات الأولية بشأن بعض المواقع وأعداد الضحايا.

وفي حين قدم الأردن العملية بوصفها ضربة ضد جماعات مرتبطة بهجوم الكرك، فإن الإعلان عن سقوط مدنيين يفرض ضرورة توضيح طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، والأسس التي استندت إليها المعلومات المتعلقة بارتباطها بالهجوم، وما إذا اتُّخذت احتياطات كافية لتجنب إصابة السكان.

ولا يمكن اعتبار كل موقع مستهدف هدفاً عسكرياً مشروعاً لمجرد وصفه بالإرهابي، كما لا يمكن الجزم بتفاصيل المسؤولية عن كل إصابة قبل استكمال التحقيقات. لكن حماية المدنيين تظل ضرورة لا يجوز تجاوزها في أي عملية عسكرية، بصرف النظر عن الجهة التي تنفذها أو المبررات التي تعلنها.

اعتقال المشتبه بهم.. لماذا امتدت الضربات إلى سوريا؟

جاء الإعلان عن الغارات بعد ساعات من إعلان السلطات الأردنية اعتقال ثلاثة مشتبه بهم بتنفيذ هجوم الكنيسة، عقب اشتباك مسلح في محافظة الكرك. وذكرت السلطات أن المشتبه بهم تحصنوا داخل منزل مهجور ورفضوا الاستسلام، قبل إصابتهم واعتقالهم وضبط أسلحة وذخائر بحوزتهم.

وفي الوقت الذي قال فيه الجيش الأردني إن منفذي الهجوم مرتبطون بتنظيمات تنشط في جنوب سوريا، نقلت تقارير صحفية عن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية أن التحقيقات لا تشير، حتى ذلك الوقت، إلى وجود صلات بين المشتبه بهم وخلايا أخرى.

وهنا تبرز نقطة جوهرية: هل استندت الضربات إلى أدلة استخبارية تؤكد وجود بنية تنظيمية ممتدة عبر الحدود، أم جاءت في إطار توسيع الرد الأمني على خلفية الهجوم؟ لا توفر البيانات المنشورة حتى الآن ما يكفي لحسم هذا السؤال، كما لم تعلن جهة مسؤوليتها عن هجوم الكنيسة.

ويؤكد هذا التباين أهمية الفصل بين اعتقال المشتبه بهم، وإثبات مسؤوليتهم الجنائية، وتحديد أي ارتباطات تنظيمية محتملة، ثم إثبات صلة المواقع المستهدفة بهذه الشبكات. فهذه ملفات مترابطة، لكنها ليست مسألة واحدة يمكن حسمها ببيان عسكري مقتضب.

التنسيق الأمني لا يلغي مسؤولية حماية المدنيين

إعلان الأردن تنفيذ العملية بالتنسيق مع الحكومة السورية يفتح احتمال أن تكون الضربات جزءاً من تفاهم أمني بين البلدين لمواجهة الجماعات المسلحة التي تنشط قرب الحدود. وإذا تأكدت تفاصيل هذا التنسيق من الجانب السوري، فسيكون من المهم معرفة حدوده: هل اقتصر على تبادل المعلومات، أم شمل تحديد الأهداف، أم تضمن ترتيبات ميدانية أوسع؟

وفي جميع الأحوال، لا يكفي الحديث عن التنسيق وحده لتقييم العملية؛ إذ تظل سلامة المدنيين، والتحقق من طبيعة الأهداف، ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات، عناصر أساسية في تحديد نتائجها.

وتواجه دمشق في هذا السياق معادلة دقيقة: التعاون مع الأردن في منع استخدام الأراضي السورية لتهديد أمنه، مع الحفاظ على مسؤوليتها عن حماية السكان داخل أراضيها، وضمان ألا يتحول التعاون الأمني إلى مساحة غامضة لا تتضح فيها آليات اتخاذ القرار أو المسؤولية عن الأضرار.

كما أن الجنوب السوري يحتاج إلى معالجة أمنية مستقرة لا تقتصر على الضربات الجوية، بل تشمل ضبط الحدود، وملاحقة الشبكات المسلحة وفق القانون، وتبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة، وتعزيز قدرة الدولة على منع استخدام المناطق الحدودية منطلقاً لعمليات تهدد سوريا وجيرانها.

ما الذي ينتظره السوريون من دمشق؟

لا تتوقف القضية عند الموقف من هجوم الكرك، الذي أدانته دمشق بوضوح، ولا عند حق الأردن في ملاحقة المسؤولين عن قتل مواطنيه وفق الأطر القانونية. بل تتعلق أيضاً بكيفية منع تكرار الهجمات العابرة للحدود، وضمان ألا يدفع المدنيون السوريون ثمن عمليات لا تتضح لهم أهدافها أو نتائجها.

ومن هنا، فإن الخطوة الأكثر أهمية تتمثل في توضيح رسمي سوري بشأن التنسيق الذي تحدث عنه الجيش الأردني، والتحقيق في تقارير سقوط المدنيين، ونشر المعلومات المتاحة عن المواقع المستهدفة والنتائج التي أمكن التحقق منها، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان ومحاسبة أي جهة يثبت تسببها في أضرار غير مشروعة.

فالتعاون الأمني بين دمشق وعمّان قد يشكل مدخلاً ضرورياً لمواجهة الجماعات المسلحة، لكنه يحتاج إلى قواعد واضحة ومساءلة متبادلة، لا إلى الاكتفاء بإعلانات عسكرية متقابلة. وفي بلد لا تزال مؤسساته تعمل على استعادة قدرتها على فرض الأمن، تبقى حماية السيادة والسكان معاً الاختبار الأهم لأي تفاهم أمني.

وبينما يعلن الأردن نجاح عمليته في استهداف ما وصفها بأوكار الإرهاب، تظل الأسئلة السورية مفتوحة: ما طبيعة الأهداف التي قُصفت؟ وما حدود التنسيق مع دمشق؟ ومن يتحمل مسؤولية سقوط المدنيين؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما سيحدد ما إذا كانت الغارات خطوة نحو أمن حدودي مشترك، أم تطوراً جديداً يترك الجنوب السوري أمام مزيد من المخاطر.

- Advertisement -

- Advertisement -