دمشق/ مرجانة إسماعيل
في دمشق، المدينة التي تشهد تزايداً في الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار اليومية، ظهرت مبادرات مجتمعية تهدف إلى تمكين النساء ومنحهن أدوات عملية لمواجهة صعوبات المعيشة. من بين هذه المبادرات، أطلقت مؤسسة الغيث الخيرية مجموعة من الدورات التدريبية المجانية لتعليم النساء صناعة المنظفات، والتي تحولت إلى نافذة أمل لكثير من السيدات اللواتي يسعين للحصول على مصدر دخل إضافي أو لتخفيف أعباء الحياة اليومية.
انطلقت الدورات في البداية في أحياء المزة وبرزة، على أن تشمل لاحقاً مناطق الشام الجديدة والقدم والمهاجرين. المبادرة لم تقتصر على التدريب المهني فقط، بل حملت بعداً اجتماعياً وإنسانياً، إذ أتيحت الفرصة للنساء من مختلف الأعمار والخلفيات، وخاصة الأرامل والمطلقات والمعيلات لأسرهن، للتعلم واكتساب مهارات عملية تساعدهن على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
المدربة سعاد العلي، المسؤولة عن التدريب، قالت إن الهدف الأساسي من الدورات هو “تمكين النساء عبر تزويدهن بخبرات عملية تؤهلهن لدخول سوق العمل، أو على الأقل تحقيق اكتفاء ذاتي داخل منازلهن”. وأشارت إلى أن الأولوية في التسجيل كانت للنساء اللواتي يواجهن صعوبات اقتصادية كبيرة، مؤكدة أن جميع الدورات كانت مجانية بالكامل مع توفير المواد والأدوات اللازمة.
المدة الكاملة لكل دورة كانت شهراً، بمعدل ثلاث جلسات أسبوعياً، وكل جلسة ساعتان، مع مرونة في مواعيد التدريب لتناسب النساء اللواتي يتحملن مسؤوليات أسرية كبيرة. التدريب لم يقتصر على التعليم النظري، بل اعتمد على التطبيق العملي المباشر، ما جعل المشاركات يشعرن بالثقة بقدرتهن على ممارسة العمل بمفردهن بعد انتهاء الدورة.
رؤى، أم لطفلين، واحدة من المشاركات في حي المزة، روت تجربتها قائلة: “كنت دائمًا أبحث عن فرصة لأساهم في دخل عائلتي، خاصة بعد أن توقف زوجي عن العمل لفترة بسبب إصابة. الدورة أتاحت لي فرصة تعلم شيء عملي يمكنني القيام به في المنزل. بدأت أصنع المنظفات بأنواعه المختلفة، وساعدني ذلك على توفير جزء من مصاريف البيت وتخفيف الضغط على زوجي.” وأضافت أن أهم ما تعلمته هو كيفية تصنيع سائل الجلي ومنظفات الأرضيات والمعطرات بطريقة آمنة وفعالة، ما جعل منتجاتها في المنزل أكثر جودة وأقل تكلفة مقارنة بالمنتجات السوقية.
غالية شرف، خريجة كيمياء وأم لثلاثة أطفال، شاركت في الدورة أيضًا، بعد أن أجلت دراستها الجامعية مؤقتاً بعد الزواج. وقالت: “بعد التخرج وعودة الروتين اليومي للأطفال، شعرت بالحاجة إلى نشاط عملي يمكنني الاستفادة منه يوميًا. الدورة أعطتني فرصة لتطبيق معرفتي النظرية على أرض الواقع، وصنعت منتجات أساسية لمنزلي، كما بدأت أفكر جدياً في تحويلها إلى مشروع صغير.” وأوضحت غالية أن الدورة لم تمنحها فقط مهارة جديدة، بل شعوراً بالاستقلالية والقدرة على مواجهة التحديات اليومية.
وفي حي برزة، سجلت نسرين شامي، أم لثلاثة أطفال، مشاركة في الدورة بعد أن علمت بها عبر صفحة الجمعية على فيسبوك. قالت: “كانت الدورة تجربة تعليمية رائعة، تعلمنا فيها صناعة الصابون وسائل الجلي والمنظفات الأخرى. المدربة كانت صبورة وشرحت كل خطوة بالتفصيل، وتمكنا من عمل التجارب العملية مباشرة، ما أكسبنا ثقة كبيرة.” وأضافت أن قرب مقر الدورة من منزلها سهل عليها المشاركة، وأصبح بإمكانها الآن تصنيع معظم المنظفات التي تحتاجها عائلتها، ما وفر عليها الكثير من التكاليف الشهرية، وجعل منتجاتها أكثر فعالية وطويلة الأمد مقارنة بما هو متاح في السوق.
ليلى عبد الرحمن، أرملة وأم لطفلين، تروي بدورها أثر الدورة على حياتها: “قبل هذه الدورة، كنت أشتري كل شيء جاهزاً، ما كان يشكل ضغطاً كبيراً على ميزانية البيت. تعلمت كيفية صنع المنظفات بمواد بسيطة وغير مكلفة، وبدأت أبيع بعض المنتجات للجيران. هذا الأمر ساعدني على الحصول على دخل إضافي، وشعرت بأنني أساهم بشكل مباشر في إعالة أطفالي”، وأضافت أن الدورات أعطتها ثقة بالنفس وأملاً لمستقبل أفضل، وفتحت أمامها بابًا للفرص الاقتصادية والاجتماعية.
تتجاوز أهمية هذه المبادرات الجانب الاقتصادي، لتشمل أثرها الاجتماعي والنفسي، إذ أكدت النساء أن التجربة منحتهن شعوراً بالاستقلالية والقدرة على الإنتاج، في وقت تعاني فيه الكثيرات من البطالة أو الاعتماد الكلي على دعم الآخرين. الدورات أعادت للنساء شعوراً بالكرامة والتمكين، وأتاحت لهن فرصة لإدارة شؤون أسرهن بشكل أكثر فاعلية.
تأتي هذه المبادرات في وقت يواجه فيه المجتمع السوري صعوبات معيشية متفاقمة، حيث يؤثر الغلاء وارتفاع الأسعار بشكل مباشر على الأسر، خاصة النساء المعيلات. وفي ظل ندرة فرص العمل الرسمية، تشكل المهن المنزلية بديلاً عملياً يمكن أن يسد جزءاً من الاحتياجات الأساسية.
ورغم نجاح هذه الدورات، أجمع المشاركون والمنظمون على أن الخطوة التالية يجب أن تتضمن برامج لدعم المشاريع الصغيرة وتمويلها، بحيث تتحول المهارات المكتسبة إلى مصدر دخل مستدام، ليصبح ما بدأ كتعلم مهارة منزلية بسيط، مشروعاً قائماً يمكنه أن يغير حياة النساء وعائلاتهن بشكل ملموس.