القنيطرة/ رجاء مختار
على تخوم الجولان، في محافظة القنيطرة، تتكشف واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع: حقوق الأهالي في أراضيهم وممتلكاتهم التي تقع بمحاذاة النقاط الإسرائيلية. على امتداد السهول والقرى، تتوزع بقايا الحقول والمزارع التي ورثتها عائلات عن أجيال سابقة، لكنها اليوم محاطة بإجراءات عسكرية وحواجز مراقبة، ما يجعل الوصول إليها محفوفاً بالعراقيل. الأهالي الذين طالما اعتبروا الأرض مصدر رزق وذاكرة جماعية يجدون أنفسهم اليوم عاجزين عن فلاحتها أو حصادها كما كانوا في السابق.
في السنوات الأخيرة تصاعدت الشكاوى من مصادرات ومنع وصول، وتوثقت حالات لنهب وتدمير ممتلكات على أيدي قوات متمركزة في نقاط قريبة من الحدود. المنظمات الحقوقية تعتبر ذلك انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية، فيما يراه السكان تعدياً مباشراً على حقوق تاريخية ورمزاً لفقدان السيادة. العديد من التقارير الأممية تشير إلى أن هذه الممارسات باتت تتكرر، وتؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وانهيار مصادر الدخل الأساسية في مجتمع يعتمد بالأساس على الزراعة وتربية المواشي.
القصص الإنسانية تجسد حجم المعاناة أكثر من الأرقام. مزارعون اضطروا للتخلي عن كرومهم خوفًا من الاقتراب من نقاط عسكرية، وأمهات فقدن مصادر رزقهن البسيطة بعد أن أُغلقت الطرق المؤدية إلى أسواق قريبة، ورعاة وجدوا أنفسهم بلا مراعي بعدما صارت المسارات التقليدية ضمن مناطق عسكرية. هذه المشاهد تتكرر على امتداد القرى المحاذية للخط الفاصل، لتخلق شعوراً عاماً بالخذلان والضياع.
المشهد الميداني يعكس معادلة معقدة: قوات دولية تراقب، جيش إسرائيلي يعزز مواقعه بحجة الأمن، وسكان محليون يواجهون يومياً فقدان حق الوصول إلى أرضهم. الأمم المتحدة طالبت باحترام اتفاقيات الفصل وحماية المدنيين، بينما تواصل منظمات حقوقية رفع الصوت بشأن الانتهاكات. وبين هذه التصريحات والقرارات تبقى المعاناة اليومية للأهالي هي العنوان الأبرز.
الحلول المطروحة لا تزال نظرية أكثر منها عملية، تتراوح بين توثيق الملكيات بشكل أدق لضمان الحقوق مستقبلاً، مروراً بمقترحات للسماح بالعودة المؤقتة تحت إشراف أممي، وصولاً إلى دعوات دولية لتقديم تعويضات. غير أن الواقع الميداني يجعل هذه الحلول بعيدة المنال في ظل استمرار التوتر. ومع غياب مبادرات ملموسة، تتسع الفجوة بين الشعارات الدبلوماسية والواقع القاسي على الأرض.
في النهاية، تتحول الأملاك في القنيطرة إلى رمز لمعركة أكبر: معركة حول الأرض والهوية والسيادة. ورغم التعقيدات السياسية والعسكرية، تبقى حقوق الأهالي في أرضهم هي القضية الإنسانية الأولى التي لا يمكن تجاوزها أو تهميشها. فهي ليست مجرد أوراق ملكية أو حدود على الخريطة، بل حياة وذاكرة وحق طبيعي مهدد بالضياع.