لكل السوريين

تحطيم تماثيل في كلية الفنون بجامعة حلب.. صدمة ثقافية وجدال بين الهوية الفنية والإهمال

حلب/ خالد الحسين
في مشهد صادم وغير مألوف داخل الحرم الجامعي، استفاق طلاب كلية الفنون الجميلة في جامعة حلب قبل أيام على حادثة تحطيم عدد من التماثيل والمنحوتات المنتشرة في باحات وقاعات الكلية، ما أثار موجة استنكار واسعة في الأوساط الطلابية والثقافية على حد سواء. فالكلية التي لطالما شكّلت حاضنة للإبداع ومختبراً لتجارب النحت والرسم السوري، تحوّلت فجأة إلى مسرح جدل محتدم حول معنى الفن، وحدود المسؤولية، وذاكرة المكان.

ذاكرة فنية نابضة واستياء طلابي واسع

تُعد كلية الفنون الجميلة في جامعة حلب واحدة من أبرز المؤسسات الأكاديمية الفنية في سوريا، إذ تخرّج منها على مدى عقود أسماء بارزة في مجالات النحت، الرسم، التصميم والفنون التطبيقية. وتتميز أروقتها بوجود مجموعة كبيرة من المنحوتات والتماثيل التي ينجزها الطلاب خلال سنوات دراستهم، لتصبح مع الوقت بمثابة معرض مفتوح يختزن ملامح التجربة الفنية السورية المعاصرة.
هذه الأعمال ليست مجرد مجسمات جامدة، بل تحمل في طياتها قصصاً شخصية وتجارب فنية تعكس تنوع الرؤى الإبداعية وتراكم الجهد الأكاديمي، ما يجعلها جزءاً من الهوية البصرية للكلية، وذاكرة حية للأجيال المتعاقبة من الطلاب.

الطلاب عبّروا عن غضبهم العميق مما وصفوه بـ«الاعتداء على فنهم وذاكرتهم الجامعية». تقول الطالبة س. ف.، وهي في سنتها الثانية:

«ما منعرف مين الأشخاص يلي حطّموا هالتماثيل، يمكن يعتبروها ما بتمثل أفكارهم، بس نحنا منشوفها تعب وجهد سنين، وفن لازم يُحترم مو يُكسَر. من حقنا نعرف مين المسؤول، ونطالب بمحاسبتهم».

أما الطالب خ. ك.، الذي يعمل على نحت تمثال خشبي لمشروع تخرجه، فقد عبّر عن قلقه قائلاً:

«الواحد بيخاف على شغله، تعبنا ما بينعوض. لازم يكون في ضمانات حقيقية لحماية مشاريعنا. يلي صار مو بسيط، هو رسالة سلبية لكل طالب بيحاول يبدع».

هذه الأصوات الغاضبة لم تكن مجرد تعبير عاطفي، بل حملت في طياتها مخاوف أعمق تتعلق بمستقبل العملية التعليمية والفنية في الجامعة، وبمدى جدّية المؤسسات في صون حقوق طلابها.

من جهته، أعرب أحد أعضاء الهيئة التدريسية عن أسفه العميق، مؤكداً أن ما حدث يُعد سابقة خطيرة:

«منذ بداية عملي في الكلية لم أشهد حادثاً مماثلاً. هذه الأعمال هي ثمرة جهد طلابنا، وكان يفترض أن تحظى بالاحترام لا العبث. ما حدث يدعو للحزن ويطرح تساؤلات جدية حول آليات حماية هذه المنجزات الفنية».

وأشار إلى أن احترام نتاج الطلاب لا يقل أهمية عن حماية المباني والمرافق، لأن هذه الأعمال تمثل روح الكلية وهويتها، وليست مجرد ديكور عابر.

تبريرات رسمية… والطلاب غير مقتنعين

في المقابل، حاولت بعض الجهات داخل الجامعة تفسير الحادثة بالإشارة إلى أنها جاءت ضمن «عمليات ترميم روتينية» لمشاريع قديمة أو متضررة، وهي إجراءات متبعة كل عام بحسب مصدر جامعي.
إلا أن هذا التفسير لم يقنع الكثير من الطلاب، الذين اعتبروا أن ما جرى يتجاوز حدود الترميم، ويدخل في إطار «الإهمال أو سوء التقدير» على أقل تقدير، مطالبين بفتح تحقيق جاد وشفاف وعدم الاكتفاء بتبريرات شكلية.

حادثة كلية الفنون في حلب ليست مجرد واقعة عابرة، بل تكشف عن هشاشة البنية التي تحيط بالإنتاج الفني الجامعي في سوريا. ففي غياب سياسات واضحة لصون المنجزات الطلابية، تتحول الأعمال الفنية أحياناً إلى ضحايا عرضية للبيروقراطية أو سوء الفهم، رغم أنها تشكّل رصيداً ثقافياً يمكن أن يُستثمر لسنوات طويلة.
وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة تساؤلات ثقافية مهمة: هل تنظر الجامعات السورية إلى الفن بوصفه جزءاً من الذاكرة الوطنية؟ وهل توجد خطط جدية لحماية هذا الإرث من العبث أو الضياع؟

دعوات لحماية الذاكرة الفنية

بين الغضب الطلابي، والتبريرات الرسمية، تبقى الحادثة محور جدل ثقافي واسع في حلب، إذ ترتفع الأصوات للمطالبة بوضع آليات جديدة لحماية المنجزات الفنية داخل الجامعات، باعتبارها جزءاً من التراث المعاصر، وليس مجرد مشاريع دراسية مؤقتة.
ويرى مثقفون وفنانون أن حماية هذه الأعمال يجب أن تكون ضمن مسؤوليات مؤسسية واضحة، تشمل التوثيق، الصيانة، وإشراك الطلاب في القرارات المتعلقة بمصير منجزاتهم الفنية.

تحطيم التماثيل في كلية الفنون بجامعة حلب لم يكن مجرد كسر لحجارة أو خشب، بل هزّ الوجدان الثقافي لجيل من الفنانين الشباب، وفتح الباب واسعاً أمام نقاش ضروري حول موقع الفن في الحياة الجامعية السورية، بين الإبداع من جهة، والإهمال الإداري من جهة أخرى.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه الحادثة إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في كيفية صون الذاكرة الفنية للأجيال القادمة، لا أن تُطوى سريعاً في أرشيف النسيان.

- Advertisement -

- Advertisement -