لكل السوريين

قطر تضيء سوريا

عبد الكريم البليخ

في وطنٍ اعتاد أن ينسج يومه على خيطٍ رفيع من الرجاء، حيث العتمة صارت جزءاً من التفاصيل اليومية، وهدير المولدات هو ما يوقظ المدن لا ضوء الفجر، تأتي مبادرة قطرية جديدة لا لتضيء المصابيح فحسب، بل لتوقظ الحلم المُرهق في العيون السورية.

صندوق قطر للتنمية، بتنفيذٍ مباشر لتوجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، يُعلن عن بدء المرحلة الثانية من مشروع دعم الطاقة الكهربائية في سوريا، بطاقة استيعابية تبلغ 800 ميجاواط. خطوة لا تُقاس بكمّ الطاقة وحده، بل بما تمثّله من وفاءٍ إنساني وموقف أخلاقي مستمر تجاه شعبٍ أنهكته الحروب، وتقطّعت به سبل الدولة، وبقي معلقاً بين الأنقاض والانتظار.

تبدأ هذه المرحلة في الثاني من أغسطس 2025، وتمتد عاماً كاملاً، لتنطلق الكهرباء من أذربيجان، مروراً بتركيا، حتى تبلغ سوريا، حاملة معها نبضاً جديداً من حلب، المدينة التي لطالما كانت أيقونةً للثبات، ومركزاً للرماد والنهوض معاً. ومن هناك، تتوزع الإمدادات إلى المدن والأحياء، حيث الحاجة تُقاس بالدقائق، والأمل يُعدّ بالشموع التي تنطفئ باكراً.

هذا الدعم ليس مجرد تحسين تقني للبنية الكهربائية؛ إنه تحسين في شروط الحياة ذاتها. خمسة ملايين مشترك سيشعرون يومياً بهذا التحول، حيث ترتفع ساعات التشغيل إلى 5 ساعات يومياً، بنسبة تحسن تقارب 40% مقارنة بالحال السابق. وهو ما يعني في واقع الأمر: ورشة إنتاج تستأنف عملها، مدرسة تُكمل يومها، بيت دافئ يُنار في المساء، ومستشفى لا تنقطع عنه الكهرباء في لحظة طارئة.

والأهم أن هذه المبادرة تأتي مكمّلة لمرحلة أولى نفذتها قطر سابقاً، بطاقة بلغت 400 ميجاواط، أسهمت آنذاك في رفع ساعات التشغيل في المناطق الحيوية من 16 إلى 24 ساعة يومياً، ودعمت الصناعات المتوقفة، وثبّتت استقرار الشبكة الوطنية، ورفعت عن كاهل الناس جزءًا من معاناتهم الطويلة مع العتمة.

الرسالة واضحة: ليس على السوريين أن يخوضوا هذه الظلمة وحدهم.

وربما كانت الكهرباء هنا، رمزاً أكبر من مجرد طاقة تُنقل على الأسلاك. إنها اعتراف بحق الإنسان السوري في حياة متوازنة، في العيش الكريم، في أن تُضاء غرفته دون رجاء أو استجداء. إنها محاولة لإعادة ما تمزق، وتضميد الجراح بأفعال ملموسة لا بشعارات عابرة.

بذلك، تبلغ مساهمات صندوق قطر للتنمية في قطاع الكهرباء السوري أكثر من 760 مليون دولار أمريكي، وهو رقمٌ يروي حكاية موقفٍ لا يتغير، تزداد فيه المبادرة حضورًا كلما غاب الآخرون.

وإذا كانت السياسة غالباً ما تُروى بلغة المصالح، فإن ما تفعله قطر يُروى بلغة الضمير، في زمنٍ تلاشى فيه صوت الأخوّة الحقيقية. فالدعم القطري لا يتوقف على الطاقة، بل يشمل الصحة، التعليم، الإغاثة، وإعادة بناء المؤسسات، في مسعى واضح لأن تعود سوريا موحدة، ذات سيادة، ومزدهرة، دولة قانونٍ ومؤسسات، تحكمها العدالة لا الفوضى.

في كل كيلواط يصل إلى بيتٍ سوري، تصل معه رسالة: أن في العالم من يرى، ويسمع، ويتحرك. أن الظلام ليس قدراً نهائيًا، وأن الخليج، حين يُضيء، فإن نوره لا يعرف حدود الجغرافيا. ومن هنا، من قطر، كانت البداية… ولعلّها لا تكون النهاية.

- Advertisement -

- Advertisement -