تشهد مقاهي مدينة حمص في الفترة الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في تقديم الأراكيل (الشيشة) للأطفال والمراهقين بشكل علني، دون أي رادع أو محاسبة من الجهات المعنية. هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر بشكل لافت في العديد من المقاهي المنتشرة في أحياء المدينة، تثير قلقاً كبيراً لدى الأهالي والمختصين في الصحة والتربية، نظراً للمخاطر الجسيمة التي تهدد صحة هؤلاء الأطفال ومستقبلهم.
في جولة ميدانية لعدد من مقاهي حمص، يمكن ملاحظة عشرات الأطفال والمراهقين الذين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، يجلسون في مجموعات حول طاولات الأراكيل، يستنشقون الدخان ببراءة تامة، غير مدركين للمخاطر الصحية التي يتعرضون لها. يقول صاحب أحد المقاهي في حي الإنشاءات: “الزبائن الصغار أصبحوا يشكلون جزءاً كبيراً من زبائن المقهى، وكثير من الأهالي يأتون بأطفالهم ويطلبون لهم أراكيل بنكهات الفواكه التي يحبونها”. هذه المقولة تكشف جانبا من المشكلة، حيث يبدو أن بعض الأسر نفسها غير واعية لخطورة ما يقومون به.
من الناحية الصحية، يحذر الأطباء من أن تدخين الأراكيل ليس أقل خطراً من السجائر، بل قد يكون أكثر ضرراً في بعض الجوانب. فجلسة الأراكيل الواحدة التي تستغرق حوالي ساعة، تعادل تدخين 100 سيجارة تقريباً من حيث كمية الدخان المستنشق. ويؤكد الدكتور نبيل خيربك، اختصاصي أمراض الصدر في مشفى الوطني الخاص بحمص، أن “تعرض الأطفال لدخان الأراكيل يؤدي إلى مشاكل تنفسية خطيرة، ويؤثر على نمو الرئتين، ويزيد من احتمالية الإصابة بالسرطانات، كما أنه يسبب الإدمان السريع نظراً لاحتواء المعسل على النيكوتين”.
على الصعيد الاجتماعي، يرى المختصون في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة تعكس تراجعاً في الوعي المجتمعي تجاه مخاطر التدخين، وضعف الرقابة الأسرية، كما أن انتشار المقاهي التي تقدم الأراكيل في كل حي تقريباً، وافتقارها لأي ضوابط تمنع دخول الأطفال، ساهم في تفشي المشكلة، وتقول الدكتورة سمر الحسين، أستاذة علم الاجتماع في جامعة البعث: “هناك تغير في العادات الاجتماعية، حيث أصبح تدخين الأراكيل من قبل الأطفال مقبولاً اجتماعياً في بعض الأوساط، وهذا مؤشر خطير على تدهور القيم الصحية والتربوية”.
من الناحية القانونية، بالرغم من وجود قوانين تمنع بيع التبغ وتدخينه لمن هم دون الثامنة عشرة، إلا أن هذه القوانين لا تطبق على أرض الواقع، فليس هناك أي رقابة حقيقية على المقاهي التي تقدم الأراكيل للأطفال، ولا توجد عقوبات رادعة لأصحاب هذه المقاهي. ويقول المحامي أحمد ديوب: “القانون موجود لكنه حبر على ورق، فليس هناك أي جهة تقوم بتطبيقه بشكل جدي فيما يخص منع الأطفال من تدخين الأراكيل”.
أما على المستوى التربوي، فإن المدرسين في المدارس يشهدون تدهوراً في التحصيل العلمي لبعض التلاميذ الذين يدخنون الأراكيل، حيث يؤثر النيكوتين على التركيز والقدرة على الاستيعاب، كما أن تكلفة الأراكيل الأسبوعية تشكل عبئاً مالياً على الأطفال أنفسهم أو على أسرهم، مما قد يدفع بعضهم إلى سلوكيات غير سوية لتأمين المال اللازم لها.
في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، بدأت بعض المبادرات الفردية من قبل نشطاء في المجتمع المدني، تقوم بحملات توعوية في المدارس والنوادي، تحذر من مخاطر تدخين الأراكيل في سن مبكرة، لكن هذه الجهود تبقى محدودة التأثير في ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الظاهرة، كما أن بعض المقاهي بدأت ترفض خدمة الأطفال، لكنها تبقى استثناءً في بحر من المقاهي التي تتنافس على جذب الزبائن الصغار.
وظاهرة تدخين الأطفال للأراكيل في حمص ليست مجرد عادة سيئة، بل هي قنبلة موقوتة تهدد صحة جيل كامل، وتستدعي تحركاً عاجلاً من جميع الجهات المعنية، بدءاً من الأسرة التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها في مراقبة أطفالها، مروراً بالمدرسة التي عليها تعزيز التوعية الصحية، ووصولاً إلى الجهات الرسمية التي يجب أن تفرض تطبيق القانون بصرامة، فصحة الأطفال وحمايتهم من هذه الآفة ليست رفاهية، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية لا يجوز التهاون فيها.