لكل السوريين

نزلات البرد بين الأطفال مع تقلبات الطقس.. أعراض متشابهة ومخاطر تستدعي الانتباه

مع تقلبات الطقس ودخول فصل الخريف، تتزايد شكاوى الأهالي من إصابة أطفالهم بأعراض الرشح والسعال وارتفاع درجات الحرارة، في مشهد يتكرر سنوياً مع بداية الموسم البارد، لكنه يثير القلق لدى كثير من الأسر السورية، ولا سيما في ظل الظروف المعيشية الصعبة وتفاوت القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية والحصول على الأدوية.

وبينما يتعامل بعض الأهالي مع هذه الأعراض باعتبارها نزلات برد عابرة لا تحتاج إلى أكثر من الراحة والعلاجات المنزلية، قد تتشابه أعراضها مع الإنفلونزا والتهابات الجهاز التنفسي الأخرى، ما يجعل التمييز بينها أمراً مهماً، خصوصاً لدى الأطفال الصغار والرضع الذين قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات.

موسم تتكرر فيه الإصابات

تُعد نزلات البرد من أكثر الأمراض شيوعاً لدى الأطفال، وتنتج عن فيروسات متعددة تنتقل بسهولة عبر الرذاذ التنفسي والملامسة المباشرة والأسطح الملوثة. وتزداد فرص انتقال العدوى في الأماكن المغلقة والمزدحمة، بما فيها المدارس ورياض الأطفال ووسائل النقل، حيث يتواصل الأطفال بصورة يومية ويصعب أحياناً الحد من انتقال الفيروسات بينهم.

ولا يعني انخفاض درجات الحرارة بحد ذاته أن الطفل سيصاب بالزكام، لكن التغيرات الموسمية وما يرافقها من زيادة الوقت الذي يقضيه الناس في الأماكن المغلقة قد يسهمان في انتشار العدوى التنفسية.

وتبدأ الأعراض عادة بسيلان الأنف أو انسداده والعطاس، وقد تترافق مع التهاب الحلق والسعال وارتفاع طفيف في درجة الحرارة. وفي معظم الحالات تتحسن نزلات البرد تدريجياً خلال أسبوع إلى أسبوعين، إلا أن استمرار الأعراض أو تفاقمها يستدعي الانتباه إلى احتمال وجود مشكلة صحية أخرى.

وتشير إرشادات هيئة الخدمات الصحية البريطانية إلى أن الأطفال قد يصابون بنحو خمس إلى ثماني نزلات برد سنوياً في المتوسط، نتيجة تعدد الفيروسات المسببة لها وعدم امتلاك الأطفال الصغار مناعة سابقة تجاه كثير منها.

ماذا تقول المؤشرات الصحية في سوريا؟

تأتي هذه المخاوف في وقت تواصل فيه الأمراض التنفسية الموسمية حضورها ضمن التحديات الصحية في سوريا. وكانت وزارة الصحة قد أعادت، في أيلول الماضي، إصدار النشرة الوبائية الأسبوعية لتشمل مختلف المحافظات السورية، بعد انقطاع دام نحو 15 عاماً، في خطوة تهدف إلى تحسين رصد الأمراض ومتابعة تطورات الوضع الوبائي.

وبحسب بيانات الأسبوع الوبائي الثالث والثلاثين، الممتد من 16 إلى 22 آب 2026، التي تضمنتها النشرة المنشورة في أيلول، سُجلت 17,103 حالات من الأمراض الشبيهة بالإنفلونزا ضمن المراكز الصحية المبلغة، فيما شكل الأطفال دون الخامسة 34% من إجمالي الحالات الوبائية ذات الأولوية المبلغ عنها خلال ذلك الأسبوع.

وتوفر هذه الأرقام مؤشراً على أهمية متابعة الأمراض التنفسية والفئات العمرية الأكثر عرضة للمضاعفات، لكنها لا تثبت بمفردها وجود ارتفاع استثنائي في نزلات البرد بين الأطفال خلال الأيام الحالية، كما أن الأمراض الشبيهة بالإنفلونزا لا تعني بالضرورة الإصابة بالإنفلونزا المؤكدة مخبرياً.

وتكمن أهمية استمرار نشر البيانات الصحية وتحديثها في تمكين الجهات المعنية من تحديد طبيعة الفيروسات المنتشرة، ومراقبة تغير أعداد الإصابات، وتوجيه الموارد الطبية وفقاً للاحتياجات الفعلية في كل منطقة.

الزكام والإنفلونزا.. تشابه في الأعراض واختلاف في الشدة

يخلط كثير من الأهالي بين نزلات البرد والإنفلونزا، رغم وجود اختلافات بين الحالتين. فنزلة البرد غالباً ما تبدأ بصورة تدريجية، مع سيلان الأنف والعطاس والتهاب الحلق، بينما قد تبدأ الإنفلونزا بصورة مفاجئة، وتترافق مع ارتفاع الحرارة وآلام الجسم والصداع والإرهاق والسعال.

ومع ذلك، لا تكفي الأعراض وحدها دائماً لتحديد الفيروس المسبب، إذ قد تتشابه أعراض الإنفلونزا مع عدوى تنفسية أخرى، كما يمكن لبعض الفيروسات أن تسبب مرضاً أشد لدى الأطفال، ولا سيما الرضع أو المصابين بأمراض مزمنة.

ويكتسب الانتباه إلى هذه الفروق أهمية خاصة عندما ترتفع حرارة الطفل بصورة ملحوظة، أو يرفض شرب السوائل، أو يبدو عليه الخمول غير المعتاد. ففي هذه الحالات، لا ينبغي الاكتفاء بافتراض أن الإصابة مجرد زكام موسمي، بل يجب تقييم حالته وفقاً لعمره وشدة الأعراض.

العلاج العشوائي قد يزيد المشكلة

مع تكرار الإصابات في موسم البرد، تلجأ بعض الأسر إلى استخدام أدوية سبق أن وصفها الأطباء لأطفالها في حالات مرضية سابقة، أو إلى إعطائهم مضادات حيوية بمجرد ظهور السعال والرشح وارتفاع الحرارة.

غير أن معظم نزلات البرد سببها فيروسات، والمضادات الحيوية لا تعالج العدوى الفيروسية ولا تسرّع الشفاء منها، كما أن استخدامها دون حاجة طبية يسهم في زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

وتشمل الرعاية المنزلية المناسبة، في الحالات البسيطة، تقديم السوائل بصورة منتظمة، ومساعدة الطفل على الراحة، واستخدام المحلول الملحي المخصص للأنف عند الحاجة، مع مراقبة درجة الحرارة والتنفس والنشاط العام.

أما الأدوية الخافضة للحرارة والمسكنة، فينبغي استخدامها وفقاً لعمر الطفل ووزنه والتعليمات الطبية، مع تجنب إعطاء الأطفال أدوية الزكام المركبة دون استشارة مختص، وعدم إعطاء الأسبرين للأطفال. كما يُمنع إعطاء العسل للرضع دون عمر السنة.

وتحتاج الوقاية بدورها إلى إجراءات بسيطة لكنها مهمة، أبرزها غسل اليدين بانتظام، وتهوية الغرف، وتجنب مشاركة الأكواب والأدوات الشخصية، وتغطية الفم والأنف عند السعال أو العطاس، والحد من مخالطة الآخرين عند ظهور أعراض العدوى.

متى يصبح الأمر مقلقاً؟

لا تستدعي كل نزلة برد مراجعة المستشفى، لكن بعض العلامات لا ينبغي تجاهلها. فصعوبة التنفس أو تسارعه، وظهور انكماشات واضحة في الصدر أثناء التنفس، والازرقاق، والخمول الشديد، وعدم القدرة على شرب السوائل، أو ظهور علامات الجفاف، تستدعي تقييماً طبياً عاجلاً.

كما يحتاج الرضع دون ثلاثة أشهر الذين تبلغ حرارتهم 38 درجة مئوية أو أكثر إلى تقييم طبي عاجل، حتى إن بدت الأعراض الأخرى بسيطة. ويُنصح بمراجعة الطبيب أيضاً إذا استمرت الحمى أكثر من أربعة أيام، أو لم تتحسن الأعراض بعد عشرة أيام، أو تحسنت ثم عادت بصورة أشد.

وتزداد أهمية المتابعة الطبية لدى الأطفال الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو مشكلات في المناعة، إذ قد يحتاج بعضهم إلى تقييم وعلاج مبكرين عند الإصابة بالإنفلونزا أو غيرها من العدوى التنفسية.

مسؤولية تتجاوز المنزل

لا تقتصر مواجهة العدوى التنفسية بين الأطفال على مسؤولية الأسرة وحدها، بل تتطلب تعاون المدارس ورياض الأطفال والمراكز الصحية، من خلال تعزيز النظافة والتهوية، وتوعية الأهالي بالعلامات التي تستدعي المراجعة الطبية، والحد من انتقال العدوى داخل الصفوف المزدحمة.

وفي ظل التحديات التي يواجهها القطاع الصحي السوري، تبرز أهمية توفير الأدوية الأساسية، وتحسين الوصول إلى الرعاية الأولية، وضمان استمرار الترصد الوبائي ونشر بيانات حديثة وموثوقة تساعد على تحديد طبيعة الإصابات وحجم انتشارها.

فالمشكلة ليست في تكرار نزلات البرد وحده، إذ إن ذلك أمر شائع في مرحلة الطفولة، بل في التعامل معها بطريقة غير مناسبة، سواء عبر الاستهانة بالأعراض الخطرة أو استخدام الأدوية عشوائياً، أو تأخير طلب الرعاية الطبية عند الحاجة.

ومع دخول موسم البرد، يبقى الوعي الصحي داخل الأسرة والمدرسة خط الدفاع الأول لحماية الأطفال، فيما تظل المعلومات الوبائية الدقيقة والخدمات الصحية المتاحة شرطاً أساسياً لتجنب تحول الإصابات الموسمية المعتادة إلى مضاعفات يمكن الوقاية منها.

- Advertisement -

- Advertisement -