لكل السوريين

الجيش الإسرائيلي يحارب شجر القنيطرة وشعبها

القنيطرة/ رجاء مختار

بعد أن حولتها الحرب إلى أرض محروقة وجرداء، تستيقظ محافظة القنيطرة السورية كل صباح على دوي انفجارات جديدة، لكن هذه المرة ليست انفجارات قذائف أو قنابل، بل انفجارات صامتة تطحن الأخضر واليابس معاً. إنها جرافات الجيش الإسرائيلي التي تواصل، وبمنهجية مذهلة، اجتثاث ما تبقى من أشجار المحافظة التي كانت يوماً ما سلة غذاء سوريا وبوابتها الخضراء.

لم تعد القنيطرة، المحافظة التي احتلت عام 1967 وشهدت تدميراً ممنهجاً للمدينة قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي منها في عام 1974، تعاني من دمار المباني والمنشآت فحسب، بل تواجه كارثة بيئية بطيئة تهدد هويتها ووجودها. فمنذ عقود، ومن خلف الخط الأزرق، يمارس الاحتلال سياسة ممنهجة لاجتثاث الغطاء النباتي، وحرق المزروعات، وتجفيف المنابع، في عملية يصفها الخبراء بـ”التطهير العرقي للطبيعة”.

خالد أبو عيسى، مزارع في الخمسينيات من عمره، يقف على تلة مطلة على حقله الذي كان يمتلئ بأشجار التفاح والزيتون. اليوم، لم يعد يرى سوى أرض صخرية ممتدة وبقايا جذوع محترقة. يقول خالد بصوت مبحوح: “هذه الأشجار كانت إرث أبي وجدي. كنا نعيش منها ونعول أبناءنا. اليوم، لم يعد هناك شيء. هم لا يريدون لنا أن نعيش، يريدوننا أن نموت جوعاً أو أن نرحل”. ويضيف وهو يشير باتجاه الأراضي المحتلة: “كل ليلة نسمع صوت آلاتهم تعمل. يقطعون الأشجار ويحرقونها. يفعلون ذلك تحت جنح الظلام، وكأنهم يخجلون من فعلتهم، لكن الجميع يعلم”.

الخبيرة البيئية الدكتورة لمى الحسين، التي أعدت تقارير عديدة عن الأثر البيئي للاحتلال في الجولان، تؤكد أن ما يحدث هو جزء من استراتيجية واضحة. تقول: “الهدف مزدوج: اقتصادي ووجودي. من ناحية، يريد الاحتلال تحطيم أي إمكانية للاقتصاد المحلي للسوريين في المحافظة، ليجبرهم على الاعتماد كلياً على الجانب الإسرائيلي أو على الرحيل. من ناحية أخرى، هناك حرب على الهوية، فاجتثاث الأشجار، وخاصة المثمرة والتاريخية منها، هو محو للذاكرة الجمعية وللارتباط بالأرض. الشجرة ليست مجرد مصدر رزق، هي تاريخ وتراث وجذور”.

وتشير تقارير محلية إلى أن آلاف الدونمات من الأراضي الحراجية والمزارع قد تم تحويلها إلى أراضٍ قاحلة خلال العقد الماضي فقط، فيما تتقلص المساحات الخضراء عاماً بعد عام تحت سيطرة البلدوزرات وعمليات القطع الممنهج التي لا تميز بين شجرة زيتون معمرة وأحراج برية. ويتمادى الاحتلال أحياناً فيستخدم المواد الكيميائية لتحقيق تدمير أسرع وأشمل، ما يؤدي إلى تسميم التربة وإلى كارثة بيئية طويلة الأمد.

وفي ظل صمت دولي مطبق، يعتبره السكان خيانة لحقوق الإنسان وللطبيعة معاً، يواصل أهالي القنيطرة مقاومة صامتة. يقومون بحملات تشجير متواضعة، يحاولون إعادة زراعة ما استطاعوا، ويحافظون على بذور الأشجار الأصلية ككنز ثمين. لكن جهودهم تبدو ضئيلة أمام آلة الدمار الشاملة. يقول أحد الشباب المتطوعين في مبادرة “ازرع ولا تقطع”: “نعلم أنهم قد يعودون لاقتلاع ما نزرعه غداً، لكننا نريد أن نرسل رسالة: هذه أرضنا، وسنواصل زراعتها حتى لو فعلوا ذلك ألف مرة. وجودنا هنا هو أكبر مقاومة لهم”.

هكذا، تتحول معركة القنيطرة من معركة على الأرض إلى معركة من أجل الحياة نفسها. فتحت سمع العالم وبصره، تدور حرب خفية على جذع شجرة زيتون، على غصن أخضر، على حق الإنسان في أن يعيش في أرضه وبجوار ظل شجرته. وهي حرب تثبت أن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الحاضر، بل يسعى أيضاً إلى تدمير المستقبل باجتثاثه لأبسط مقومات الحياة.

- Advertisement -

- Advertisement -