اللاذقية/ يوسف علي
شهد مشفى اللاذقية الجامعي في الأيام الماضية حالة من الجدل الداخلي بعد بدء تفعيل نظام البصمة الإلكترونية للأطباء المقيمين، حيث تحوّل القرار إلى ما يشبه الأزمة التنظيمية داخل أروقة المشفى، مع مشاهد ازدحام غير مسبوقة أمام أجهزة البصمة، الأمر الذي انعكس سلباً على سير العمل الطبي ومواعيد المناوبات في الأقسام المختلفة.
ورغم أن الهدف المعلن من القرار هو تنظيم الدوام وضبط الحضور والانصراف، إلا أن التطبيق العملي للنظام كشف عن إشكالات ميدانية وإدارية أربكت النظام الصحي في واحد من أكبر مشافي محافظة اللاذقية، وأثارت موجة استياء واسعة بين الأطباء المقيمين.
يقول أحد الأطباء المقيمين إنهم «اضطروا للانتظار طويلاً أمام أجهزة البصمة خوفاً من تسجيل الغياب»، مضيفاً أن «طبيعة عمل الطبيب المقيم لا تسمح بتأخير الوصول إلى المرضى أو غرف الإسعاف، فالتأخير هنا يعني فرقاً بين حياة وموت». وتابع قائلاً: «نحن لسنا موظفين عاديين نغادر مكاتبنا عند الرابعة مساءً، وجودنا في المشفى مستمر ومتقاطع بين أقسام متعددة، والمفترض أن يُقاس أداؤنا بما نقدّمه من خدمة للمرضى، لا بما تسجله البصمة».
الأطباء المقيمون عبّروا عن استيائهم من الطريقة التي فُرض بها النظام، معتبرين أنه يتضمن نوعاً من الاستخفاف بمكانة الطبيب وافتراضاً مسبقاً بعدم التزامه، وهو ما يرونه إساءة لمكانتهم المهنية. كما حذر بعضهم من أن تحوّل الرقابة الإدارية إلى أداة شكّ يضعف الثقة المتبادلة بين الكادر الطبي والإدارة، ويخلق جواً من التوتر والريبة لا يساعد على تقديم الخدمة المثلى للمريض، بل ينعكس سلباً على روح الفريق داخل المشفى.
في المقابل، أكدت مصادر في إدارة المشفى أن الهدف من تطبيق نظام البصمة «هو تحقيق الانضباط الإداري وضمان العدالة بين جميع العاملين دون استثناء»، مشيرة إلى أن «المرحلة الأولى من التطبيق قد تشهد بعض الصعوبات التقنية، إلا أن الإدارة تعمل على تجاوزها تدريجياً».
لكن بحسب الواقع اليومي للأطباء، المشكلة لا تبدو تقنية فحسب، بل تتعلق بطبيعة عمل الأطباء المقيمين الذين يعملون وفق جداول مناوبات متغيرة ويتنقلون باستمرار بين الأقسام المختلفة بحسب حاجة المرضى والطوارئ. ويحذر مختصون من أن الإصرار على تطبيق النظام دون تكييفه مع خصوصية العمل الطبي قد يؤدي إلى إضعاف روح الفريق وإحباط الكوادر الشابة التي تتحمل الجزء الأكبر من عبء المناوبات والتعليم والبحث العلمي داخل المشفى.
ويقول أحد الأطباء في ختام حديثه: «نحن مع التنظيم والمحاسبة، لكننا نرفض أن تُختزل مهنتنا ببصمة. الطبيب ليس موظفاً في دائرة حكومية، بل مسؤول عن حياة إنسان، وهذه المسؤولية لا يمكن قياسها بجهاز إلكتروني».
وبين سعي إدارة المشفى إلى الانضباط الإداري وتمسك الأطباء بحقهم في الكرامة المهنية، يعيش مشفى اللاذقية الجامعي اختباراً دقيقاً بين الإدارة الصارمة والإدارة الحكيمة، اختبارٌ سيكشف ما إذا كانت البصمة خطوة نحو التطوير والتنظيم، أم عبئاً جديداً يُضاف إلى كاهل القطاع الصحي الذي يعاني أصلاً من تحديات جسيمة