درعا/ رجاء مختار
تعيش درعا اليوم أزمة سكن حادة بعد عودة عدد كبير من السكان، سواء من اللاجئين العائدين من دول الجوار أو من نازحين داخل سوريا، إلى مدن وقرى المحافظة، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية السكنية عاجزة عن استيعاب هذا التدفق. وبحسب تقارير حقوقية، فإن الدمار والنهب والاستيلاء على العقارات كان لهما أثرٌ مدمراً على ممتلكات السكان وقضيا على فروق سكنية كثيرة. كما أوضح تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مئات آلاف السوريين عادوا إلى بلداتهم منذ نهاية عام 2024، ما زاد الضغط على سوق السكن.
أحد العائدين حديثاً إلى درعا هو الشاب خالد، الذي أمضى أكثر من خمس سنوات في الأردن هرباً من الحرب. عند عودته عبر معبر نصيب، وجد أن منزله في حي شعبي صغير “هُدم جزئياً، شبابيكه مفقودة، والأبواب مخلعة”. لم يكن أمامه خيارٌ إلا أن يقيم مع أقاربه، في منزلٍ يضم أكثر من خمس عائلات، ما يعني غرفاً ضيقة، أوضاعاً صحية متدهورة، وانعداماً شبه كامل للخصوصية. يقول خالد بصوتٍ منهك: “نحن خمسة أشخاص في غرفتين. أطفالي ينامون على الأرض أحياناً. لا تدخل الشمس إلى الداخل، والبرد قارس عند الليل”.
وفي الريف، تواجه عائلة مرام مأزقاً آخر: فبيت جدّهم أصبح مشغولاً من قبل عائلة أخرى استولت عليه خلال سنوات الحرب، والعائلة الأصلية لا تملك القدرة على إعادة البناء أو الترميم. اضطر الأب أن يعمل في البناء بأجرٍ منخفض، بينما تعيش الأم وخمسة أطفال في مبنى قديم ومتهالك. تقول مرام: “كنا نحلم أن نبدأ حياة بسيطة. اليوم أشعر أن المنزل أصبح حلماً بعيداً”.
الأرقام تشير إلى أن إيجارات المنازل في درعا ارتفعت كثيراً منذ عام 2024، إذ وصلت في بعض المناطق إلى ما يتجاوز مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 80 دولاراً أميركياً، وهو مبلغٌ يفوق قدرة الكثير من العائدين المتضررين من الحرب. الارتفاع الحاد في الإيجارات يأتي في وقتٍ انخفض فيه عدد المساكن المتاحة بشكلٍ كبير، لأن كثيراً من البيوت دمرت أو استُولي عليها أو أصبحت تحتاج إلى ترميمات ضخمة لا يقدر أصحابها على تحمل تكلفتها.
بحسب مهندسة تعمل في إحصاء الدمار مع المجلس البلدي، فإن مناطق واسعة من درعا تعرّضت لدمارٍ متفاوت: نحو 20% من المنازل دماراً كاملاً، و47% دماراً جزئياً، فيما تحتاج آلاف الوحدات السكنية إلى ترميمات أساسية. وتشير التقديرات إلى أن المحافظة بحاجة إلى أكثر من ستة آلاف وحدة سكنية جديدة أو مرممة لاستيعاب العائلات العائدة.
في ظل هذا الوضع، يعيش كثير من العائدين في مراكز إيواء مؤقتة، أو مدارس، أو مبانٍ عامة، أو لدى أقاربهم. هذا الاكتظاظ خلق ضغطاً كبيراً على الخدمات، فالمياه مقطوعة أو تأتي لساعات محدودة، والكهرباء غير مستقرة، والمرافق الصحية ضعيفة. بعض العائلات تعيش بأثاثٍ بدائي أو دون أثاث، في انتظار العثور على منزلٍ مناسب. كما ظهرت آثارٌ نفسية واضحة: شعورٌ بعدم الاستقرار، فقدانٌ للخصوصية، وقلقٌ مستمر بشأن المستقبل.
قصة يوسف مثالاً آخر على معاناة العائدين. فقد لجأ مع أسرته إلى منزل قريب في ريف درعا، لكنه منزلٌ شبه مهجور، بلا كهرباء مستقرة، ومياهه لا تصل إلا يومين في الأسبوع. يقول يوسف: “نحن نعيش خوفاً دائماً. متى يأتي الماء؟ متى نتمكن من الاستحمام؟ أطفالي يسألونني كل يوم: متى نعود إلى بيتنا؟”.
هذه الأزمة السكنية ليست مجرد حالة مؤقتة، بل تشكل عائقاً حقيقياً أمام عودة أعداد أكبر من اللاجئين والنازحين. فقد أشار أكثر من ثلث المشاركين في الدراسات المتعلقة بالعودة إلى أن “صعوبة تأمين السكن” هي السبب الرئيسي في تأجيل قرار العودة.
في ظل غياب برامج حقيقية لإعادة الإعمار، وندرة الدعم المالي، تبدو الحلول بعيدة. يتحدث البعض عن ضرورة إطلاق مشاريع عاجلة: بناء وحدات سكنية جديدة، ترميم المدمَّر، تقديم دعمٍ مباشر للإيجارات، وتسهيل التمويل. لكن الواقع على الأرض لا يعكس تقدماً ملموساً.
ومع هذا كله، يبقى سؤال العائلات مفتوحاً: هل ستعود درعا كما كانت؟ وهل سيحصلون على منزلٍ يأويهم؟ أم أنهم سيبقون عالقين بين الإقامة المؤقتة وانتظارٍ طويل قد يمتد لسنوات؟ ما يحتاجه كثيرون اليوم ليس فقط جدراناً تُبنى، بل أملاً يُرمم وكرامةً تُستعاد.