درعا/ رجاء مختار
أسدل موسم الذرة الصفراء هذا العام ستائره في محافظة درعا جنوب سوريا، وسط مشهد زراعي يعكس القلق والانشغال بين المزارعين والتجار على حد سواء. فقد شهد المحصول تراجعاً كبيراً مقارنة بالمواسم السابقة، ليصبح بالكاد يكفي لتلبية احتياجات السوق المحلية دون القدرة على توريده للجهات الحكومية أو تغطية الاحتياجات الموسمية للمخابز والمؤسسات الرسمية.
ويعود هذا الانخفاض إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، منها شح الأمطار، ارتفاع تكاليف الزراعة، صعوبات الحصول على مستلزمات الإنتاج، وتأثيرات سنوات النزاع على الأرض الزراعية والبنية التحتية الريفية.
في قرية المسيفرة شمال درعا، يقف المزارع يوسف العلي بين حقوله البنية والمصفرة من الذرة، يراقب ما تبقى من محصوله الذي لم يحقق الكمية المعتادة التي اعتاد عليها طوال سنوات. يقول يوسف: “لقد كانت الحقول تعدنا بموسم جيد، لكن الأمطار لم تأتي في وقتها، والأرض لم تحتفظ بالرطوبة. المحصول بالكاد يكفي لعائلتنا، ولا يوجد فائض نبيعه للأسواق أو نسلمه للجهات الحكومية. كل عام كنا نربح من بيع الفائض شيئاً يساعدنا على تحصيل مستلزمات الموسم المقبل، أما هذه السنة فالوضع مختلف تماماً”.
ويضيف يوسف أن ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور، بالإضافة إلى قلة الدعم الحكومي، أثر بشكل كبير على قدرة المزارعين على الزراعة بشكل صحيح، ما انعكس على تراجع الإنتاج.
على الجانب الآخر من المحافظة، تروي هدى المصري، تاجرة حبوب في سوق درعا المركزي، معاناتها مع نقص المعروض من الذرة الصفراء، قائلة: “الذرة متوفرة بالكميات الضرورية فقط لتلبية احتياجات السوق المحلي، والأسعار ارتفعت بشكل ملحوظ. في السابق كنا نستطيع توريد كميات للجهات الحكومية والمخابز، لكن هذا الموسم لم يعد هناك فائض من الأساس”.
وتضيف هدى أن ارتفاع الأسعار أثر على قدرة المستهلكين على شراء الكميات المطلوبة، ما زاد من الضغط على السوق المحلي، وجعل بعض الأسر تضطر إلى تقليل الاستهلاك أو البحث عن بدائل أرخص.
وتعد محافظة درعا من المناطق الزراعية المهمة في جنوب سوريا، وكانت في السنوات السابقة من أكبر منتجي الذرة الصفراء في البلاد، حيث كانت تسهم بشكل كبير في توريد المحصول للجهات الحكومية والمخابز، بالإضافة إلى تصدير جزء منه إلى المحافظات الأخرى.
ومع تراجع الإنتاج هذا الموسم، أصبح الدور الذي كانت تلعبه المحافظة محدوداً للغاية، ما أثار مخاوف حول قدرة الجهات المختصة على ضمان الأمن الغذائي المحلي وتلبية احتياجات المواطنين خلال فصل الشتاء والمواسم القادمة.
وتشير الإحصاءات الأولية إلى أن إنتاج الذرة الصفراء هذا الموسم انخفض بنسبة تتجاوز 30% مقارنة بالموسم الماضي، بينما ارتفع الطلب على الحبوب نتيجة الزيادة السكانية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأخرى.
في قرية الزير جنوب درعا، تروي المزارعة أمل خليل قصة موسمها المخيب للآمال، قائلة: “زرعت خمسة دونمات من الذرة، وتوقعت أن أجني محصولاً كافياً لتغطية احتياجات أسرتي ولدي فائض أستطيع بيعه، لكن المطر تأخر، ودرجات الحرارة ارتفعت في أوقات حرجة من نمو المحصول. الآن كل ما جمعته بالكاد يكفي للطعام، ولا يوجد أي فائض”.
وتوضح أمل أن هذه الظروف تفرض على المزارعين الاعتماد على المخزون المتبقي من الأعوام السابقة أو شراء الذرة من مناطق أخرى لتغطية النقص، وهو ما يزيد من الأعباء المالية عليهم.
ويشير الخبراء الزراعيون إلى أن تراجع الإنتاج ليس مرتبطاً فقط بعوامل الطقس، بل أيضاً بنقص الدعم الفني والمالي المقدم للمزارعين، وصعوبة الحصول على بذور عالية الجودة، التي كانت توفرها بعض الجمعيات الزراعية والجهات الحكومية في الماضي.
ويقول المهندس الزراعي حاتم صباغ: “الذرة محصول حساس يتأثر بشكل كبير بجودة البذور، التسميد، والري المنتظم. مع غياب الدعم، أصبح المزارعون يعتمدون على موارد محدودة، ما أدى إلى انخفاض كبير في الإنتاجية، وهذا الأمر يعكس تأثير سنوات النزاع على البنية الزراعية في درعا”.
وتشير المصادر إلى أن الانخفاض في إنتاج الذرة الصفراء ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي في المحافظة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب على الحبوب. كما يضيف انخفاض الإنتاج ضغوطاً على الجهات الحكومية، التي كانت تعتمد على توريدات من درعا لتغطية احتياجات المؤسسات والمخابز.
وتبقى السوق المحلية تعتمد على المحصول المتاح فقط، ما دفع البعض إلى البحث عن الذرة المستوردة من محافظات أخرى لتغطية الفجوة، وهو ما يزيد من تكلفة المواد الغذائية ويزيد الضغط على الأسر.
على الرغم من هذه التحديات، يسعى عدد من المزارعين إلى البحث عن حلول بديلة لتحسين الإنتاج في المواسم المقبلة، من خلال استخدام أساليب زراعة أكثر فعالية، وتنويع المحاصيل لتقليل الاعتماد على الذرة الصفراء وحدها.
ويضيف بعض المزارعين أنهم يفكرون في الاستفادة من تقنيات الري الحديث، مثل التنقيط، لتحسين كفاءة استخدام المياه، خاصة مع تراجع هطول الأمطار. كما تسعى بعض الجمعيات الزراعية إلى توفير بذور وأسمدة بأسعار مخفضة، لضمان استمرارية الزراعة وتخفيف العبء على المزارعين المحليين.
ويمثل موسم الذرة الصفراء في درعا هذا العام درساً مهماً حول هشاشة الإنتاج الزراعي أمام التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الزراعة، فضلاً عن تأثير سنوات النزاع على قدرة المزارعين على إدارة مواردهم بشكل مستدام.
ويؤكد هذا الواقع أن المحافظة بحاجة ماسة إلى خطط دعم عاجلة تشمل التمويل، التسهيلات الفنية، وتحسين شبكات الري، لضمان قدرة المزارعين على تلبية الاحتياجات المحلية والمحافظة على دورهم في توريد المحاصيل للجهات الحكومية مستقبلاً. موسم الذرة الصفراء هذا العام قد يكون الأكثر تحدياً في السنوات الأخيرة، لكنه يسلط الضوء أيضاً على الحاجة إلى استراتيجيات زراعية مستدامة لتعزيز الأمن الغذائي في درعا وضمان استقرار السوق المحلية.