لكل السوريين

بين وعود التعافي وواقع الفقر.. من يجني ثمار الاقتصاد السوري؟

بين الحديث عن النمو والاستثمارات، لا تزال الأسر السورية تواجه تضخماً متراكماً وأجوراً عاجزة عن مواكبة تكاليف المعيشة، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاس التعافي الاقتصادي على حياة المواطنين.

لا يبدو التعافي الاقتصادي بالنسبة إلى المواطن السوري مسألة ترتبط بمؤشرات النمو أو حجم الاستثمارات المعلنة بقدر ما تتصل بقدرته على تأمين احتياجات أسرته اليومية. فبينما تتحدث الخطط الاقتصادية عن إعادة تنشيط الأسواق وتحفيز الإنتاج وجذب رؤوس الأموال، لا تزال القدرة الشرائية تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه ملايين الأسر، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وتراجع القدرة على الادخار.

وفي بلد أنهكت سنوات الحرب أُسرَه وموارده، لم يعد السؤال مقتصراً على حجم التحسن الاقتصادي، وإنما على من يستفيد من هذا التحسن، ومدى وصول نتائجه إلى المواطنين الذين يواجهون يومياً معادلة صعبة بين الدخل المحدود والاحتياجات المتزايدة.

نمو اقتصادي لا يصل إلى موائد الأسر

تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في المرحلة الراهنة في الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية العامة والواقع المعيشي للأسر. فارتفاع النشاط التجاري أو الإعلان عن استثمارات جديدة لا يعني بالضرورة تحسناً مباشراً في دخل الموظف أو العامل أو صاحب المهنة الصغيرة، ما لم ينعكس ذلك على فرص العمل والأجور والأسعار.

ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب إسمندر إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في تحقيق معدلات نمو مرتفعة فحسب، بل في قدرة هذا النمو على الانتقال إلى دخول الأسر وتحسين مستوى المعيشة، مؤكداً أن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور الحقيقية تحد من استفادة المواطنين من نتائج التعافي.

وتبرز هنا أهمية توجيه السياسات الاقتصادية نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتعزيز الإنتاج المحلي وتوسيع فرص التشغيل وتقليل الاعتماد على المستوردات.

لكن هذه الأولويات، على أهميتها، تبقى بحاجة إلى إجراءات عملية تضمن ألا يظل المواطن خارج دائرة الاستفادة من التحولات الاقتصادية، وأن تتحول فرص الاستثمار إلى وظائف مستقرة ودخول قادرة على مواجهة تكاليف الحياة.

الأسعار تسبق الأجور.. والمواطن يدفع الفاتورة

في الأسواق السورية، لا يحتاج المواطن إلى قراءة تقارير اقتصادية لمعرفة حجم الضغوط المعيشية، إذ تكفي جولة على محال المواد الغذائية أو مقارنة المصروف اليومي بالدخل الشهري لتكشف اتساع الفجوة بين ما يتقاضاه وما يحتاج إليه.

وتزداد هذه الفجوة وضوحاً لدى العاملين بأجور ثابتة، الذين يجدون أنفسهم أمام ارتفاع متكرر في تكاليف الغذاء والنقل والسكن والخدمات، من دون زيادات موازية في دخولهم، الأمر الذي يدفع كثيراً من الأسر إلى تقليص احتياجاتها الأساسية أو الاستغناء عن بعض الخدمات الضرورية.

ولا تتوقف آثار هذا الواقع عند حدود الاستهلاك، بل تمتد إلى التعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي، مع تراجع قدرة الأسر على تحمل النفقات المفاجئة أو مواجهة الأزمات، فيما تصبح فكرة الادخار أو التخطيط للمستقبل بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين.

وتكشف هذه المعادلة أن المشكلة لا تتعلق فقط بمستوى الأسعار، وإنما أيضاً بغياب التوازن بين الدخل وتكاليف المعيشة، وهو ما يجعل أي تحسن اقتصادي محدود الأثر ما لم يترافق مع إجراءات ترفع القدرة الشرائية وتحد من الضغوط اليومية.

ماذا يحتاج المواطن ليشعر بالتعافي؟

يرى إسمندر أن تحويل التعافي الاقتصادي إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين يتطلب مجموعة من الإجراءات المتكاملة، تبدأ بضبط التضخم وتعزيز الرقابة على الأسواق وتحسين المنافسة والحد من الممارسات الاحتكارية، بالتوازي مع تطوير سياسات الأجور بما يراعي مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة.

كما يشدد على ضرورة دعم الإنتاج المحلي عبر توفير مستلزمات الإنتاج والطاقة والتمويل للمنشآت الزراعية والصناعية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع فرص العمل المستدامة، ولا سيما أمام الشباب.

وتكتسب الخدمات الأساسية أهمية إضافية في هذا السياق، إذ إن تحسين الكهرباء والنقل والمياه لا يخفف الأعباء عن الأسر فحسب، بل يسهم أيضاً في خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز قدرة الاقتصاد على المنافسة.

غير أن هذه الإجراءات تحتاج إلى ترجمة فعلية على الأرض، بعيداً عن الاكتفاء بإعلان الخطط أو الترويج للفرص الاستثمارية، إذ يبقى المواطن معنياً بالنتائج أكثر من العناوين، وبما يلمسه في راتبه وفاتورته وسلة مشترياته.

المواطن.. الاختبار الحقيقي للتعافي

في المحصلة، لا يمكن اعتبار التعافي الاقتصادي في سوريا مكتملاً بينما لا تزال قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية محدودة، ولا يمكن الحديث عن نجاح السياسات الاقتصادية بمعزل عن أثرها على حياة المواطنين.

فالمؤشرات المالية والاستثمارية، مهما بدت إيجابية، لا تكفي وحدها لتغيير الواقع المعيشي، ما لم تترافق مع استقرار الأسعار وتحسن الدخول وتوفير فرص العمل وتعزيز الخدمات الأساسية.

ويبقى التحدي أمام السياسات الاقتصادية في سوريا هو الانتقال من اقتصاد تتحسن بعض مؤشراته إلى اقتصاد يشعر المواطن بنتائجه، لا من خلال الوعود أو الأرقام المعلنة، وإنما عبر قدرة حقيقية على العيش بكرامة، وتأمين احتياجات الأسرة، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

فالتعافي الذي لا يصل إلى جيوب المواطنين ولا يخفف أعباءهم اليومية، يظل تعافياً ناقصاً مهما ارتفعت مؤشراته.

- Advertisement -

- Advertisement -