من الحكواتي إلى الهاتف.. أين ذهبت الحكاية الشعبية السورية؟
من مجالس الجدات ومقاهي دمشق القديمة إلى منصات التواصل.. تغيّرت وسيلة رواية القصص، لكن الذاكرة الشعبية لا تزال تبحث عمّن يحفظها من النسيان.
السوري/ دمشق
كانت الحكاية الشعبية في سوريا أكثر من مجرد وسيلة للتسلية؛ فقد شكلت جزءاً من الحياة اليومية، ومدرسة غير مكتوبة تنتقل فيها القيم والتجارب والمعتقدات من جيل إلى آخر. في البيوت، كانت الجدات ينسجن القصص حول الأطفال قبل النوم، وفي المجالس تتناقل العائلات حكايات الأمكنة والأشخاص، بينما كان الحكواتي في المقاهي يجمع المستمعين حول سيرة طويلة، تتوقف عند ذروة التشويق لتستكمل في الليلة التالية.
لكن هذا المشهد أخذ يتغير تدريجياً مع انتشار التلفزيون، ثم الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتنتقل الحكاية من فضاء يجمع الناس وجهاً لوجه إلى شاشة صغيرة يحملها كل فرد معه. وبين هذا التحول، يبرز سؤال ثقافي يتجاوز الحنين إلى الماضي: هل فقدت الحكاية الشعبية مكانتها في المجتمع السوري، أم أنها تبحث عن شكل جديد للبقاء؟
الحكواتي.. مسرح صغير في قلب المقهى
ازدهرت مهنة الحكواتي في المقاهي الدمشقية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأصبحت جزءاً من المشهد الاجتماعي والثقافي في المدينة. وكان الحكواتي يجلس على منبره، مستعيناً بذاكرة قوية وصوت متقن وحركات تعبيرية، ليعيد أمام الجمهور حكايات عنترة بن شداد والظاهر بيبرس والزير سالم وأبي زيد الهلالي، وغيرها من السير الشعبية التي امتزج فيها التاريخ بالخيال.
لم يكن الحكواتي مجرد راوٍ يقرأ أحداثاً محفوظة، بل مؤدياً يمتلك القدرة على شد انتباه الجمهور وإشراكه في تفاصيل القصة. وكان المستمعون يتفاعلون مع الشخصيات، ويغضبون لانكسار البطل، ويفرحون بانتصاره، وربما يطالبون الراوي باستكمال الأحداث قبل موعد الجلسة التالية.
ولا يزال مقهى النوفرة في دمشق يحتضن جلسات الحكواتي، خصوصاً خلال شهر رمضان، في مشهد يعيد إحياء تقليد ارتبط بالمقاهي القديمة لعقود طويلة. غير أن استمرار هذا الطقس في بعض الأماكن لا يعني أن حضوره بقي كما كان في الحياة اليومية، إذ تراجعت المساحات التي كان يشغلها السرد الشفهي أمام اتساع وسائل الترفيه الحديثة.
الجدة.. أول راوية في حياة الطفل
بعيداً عن المقاهي، كانت الحكاية تبدأ غالباً داخل المنزل. فالجدة أو الأم لم تكن بحاجة إلى كتاب أو مسرح كي تصنع عالماً كاملاً من الخيال؛ كانت الكلمات وحدها كافية لتحويل غرفة صغيرة إلى غابة، أو طريق عادي إلى رحلة مليئة بالمغامرات.
ومن حكايات «كان يا ما كان» و«الشاطر حسن» و«ست الحسن» إلى قصص الحيوانات والجن والعفاريت والأبطال، اكتسب الأطفال مفرداتهم الأولى، وتعرفوا إلى مفاهيم الخير والشر والشجاعة والوفاء، وفق ما تحمله كل حكاية من معانٍ ومواقف.
وكانت الحكاية أيضاً مساحة لتجارب الكبار؛ إذ تحمل قصصاً عن الفقر والعمل والهجرة والزواج والخلافات العائلية، وتختزن تفاصيل الحياة في القرى والمدن السورية، بما فيها اللهجات والأمثال والتعابير المحلية التي يصعب أن تجد مكانها في الكتب الرسمية.
ومع تراجع جلسات العائلة الطويلة وانشغال الأفراد بالشاشات، بدأت هذه الوظيفة تتقلص في بعض البيوت. لم تعد الحكاية حاضرة بالقدر نفسه في المساء، ولم يعد الطفل ينتظر بالضرورة قصة يرويها أحد أفراد أسرته، بعدما أصبحت مقاطع الفيديو والألعاب الرقمية متاحة في أي وقت.
الهاتف يختصر الحكاية.. لكنه لا يلغيها
لم يكن الانتقال إلى التلفزيون ثم الهاتف مجرد تغيير في وسيلة العرض، بل تحولاً في طبيعة العلاقة بين الراوي والمتلقي. فالحكاية التي كانت تُروى ببطء، وتترك مساحة للتخيل والسؤال والتفاعل، أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من محتوى سريع ومتتابع، يتنافس على انتباه المستخدم مع آلاف المواد الأخرى.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار التكنولوجيا عدواً للحكاية الشعبية بالضرورة. فقد أتاحت منصات التواصل فرصة لنشر القصص القديمة، وتسجيل روايات كبار السن، وإعادة تقديم التراث الشفهي بصيغ صوتية ومرئية تصل إلى جمهور أوسع، داخل سوريا وخارجها.
وتؤكد تجارب توثيق الحكايات الشعبية السورية أن الذاكرة الشفوية يمكن أن تتحول إلى مادة ثقافية قابلة للحفظ والتداول، بدلاً من أن تبقى رهينة ذاكرة فردية قد تضيع برحيل أصحابها.
لكن المشكلة لا تكمن في انتقال الحكاية إلى الشاشة، بقدر ما تكمن في غياب مشروع متكامل يحفظ تنوعها، ويمنحها فرصة الاستمرار بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية السورية، لا مجرد مادة عابرة للترفيه.
ذاكرة مهددة بالتراجع
تحمل الحكاية الشعبية السورية تنوعاً واسعاً يرتبط بالبيئة والمكان. فحكايات الريف ليست نسخة مطابقة لحكايات المدن، كما تختلف الروايات المتداولة في الجزيرة السورية عن تلك التي عرفتها دمشق وحلب والساحل والبادية. وفي هذا التنوع تظهر مفردات الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والمعتقدات، وتجارب الناس مع الطبيعة والعمل والحروب والتنقل.
ويزداد خطر فقدان هذا الإرث عندما تبقى الحكايات محفوظة في ذاكرة كبار السن من دون تسجيل أو تدوين. فمع رحيل الرواة، تضيع أحياناً تفاصيل لا يمكن استعادتها، خصوصاً تلك المرتبطة باللهجات المحلية وطريقة الإلقاء والتعبير، وهي عناصر لا تقل أهمية عن مضمون القصة نفسها.
كما أن بعض الحكايات التي انتقلت عبر الأجيال تعرضت للتغيير أو الاختفاء، بفعل التحولات الاجتماعية وتراجع المجالس التقليدية، الأمر الذي يجعل توثيقها ضرورة ثقافية، لا مجرد نشاط مرتبط بإحياء المناسبات التراثية.
هل يمكن إعادة الحكاية إلى الحياة؟
لا تبدو عودة الحكاية الشعبية إلى شكلها القديم أمراً ضرورياً بقدر ما تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة دورها الثقافي والاجتماعي. فالحكواتي يستطيع أن يجد مكاناً في المدارس والمراكز الثقافية والمكتبات والمهرجانات، كما يمكن إنتاج برامج صوتية ومرئية تستند إلى الروايات الشعبية، وتقديمها للأطفال والشباب بلغة معاصرة تحافظ على روحها الأصلية.
ويحتاج هذا المسار إلى جهود مؤسسات ثقافية وباحثين ومبادرات أهلية، تتولى جمع الحكايات من كبار السن، وتسجيلها بلغاتها ولهجاتها الأصلية، وتوثيق أسماء رواةها ومناطق انتشارها، مع إتاحة هذه المواد للباحثين والجمهور.
كما يمكن للمدارس أن تلعب دوراً في إعادة وصل الأجيال بالحكاية، من خلال أنشطة تستضيف رواة محليين، أو تشجع الطلاب على تسجيل قصص أجدادهم، بما يحول التراث من مادة بعيدة في الكتب إلى تجربة حية داخل المجتمع.
فالحكاية الشعبية ليست مجرد كلمات تروى في المساء، بل ذاكرة مجتمع تختزن تجاربه وتصوراته عن العالم، وتمنح الأجيال فرصة للتعرف إلى ماضيها وفهم حاضرها.
وبين الحكواتي الذي كان يرفع صوته في المقهى، والجدة التي كانت تروي قصتها قرب فراش الأطفال، والهاتف الذي بات يحمل آلاف الروايات، لم تختف الحكاية السورية تماماً. لكنها أصبحت أمام تحدٍ جديد: أن تجد من يصغي إليها، ومن يوثقها، ومن يعيد روايتها قبل أن تتحول من ذاكرة حية إلى أثر لا يعرفه إلا القليل.