لكل السوريين

القنيطرة تحت الحصار.. مشروع إسرائيلي يحوّل الأراضي الزراعية إلى مناطق عسكرية

تواصل إسرائيل تعزيز وجودها العسكري في ريف محافظة القنيطرة جنوبي سوريا عبر تنفيذ مشاريع بنية تحتية وتحصينات ميدانية واسعة، في خطوة يرى مراقبون أنها تهدف إلى فرض واقع طويل الأمد داخل مناطق قريبة من خط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات هذه التحركات على السكان المدنيين والقطاع الزراعي.

وخلال الأشهر الأخيرة، كثّفت القوات الإسرائيلية أعمال الحفر وشق الطرق العسكرية وإقامة السواتر الترابية والخنادق ضمن مشروع يُعرف باسم “خط سوفا” أو “العاصفة الكبرى”، وهو مشروع بدأ العمل به منذ عام 2022 بحجة منع أي تهديدات أمنية محتملة من جماعات مسلحة كانت تنشط في المنطقة.

ورغم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وما تبعه من تراجع نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، فإن الأعمال العسكرية الإسرائيلية في القنيطرة استمرت بوتيرة متسارعة، ما أثار تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للمشروع وإمكانية تحوله إلى بنية دائمة تفرض تغييرات ميدانية على الأرض.

ويمتد مسار المشروع من محيط بلدة حضر شمالي القنيطرة، مرورا ببلدات جباتا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبير عجم وبريقة، وصولاً إلى المنطقة الجنوبية القريبة من نقطة الحدود الثلاثية السورية الأردنية الإسرائيلية.

ووفق معطيات محلية، شق الجيش الإسرائيلي طريقاً عسكرياً بعرض يقارب ثمانية أمتار، مع إقامة سواتر ترابية ضخمة يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار، إضافة إلى إنشاء نقاط مراقبة ومواقع عسكرية على امتداد الخط المحاذي لمنطقة فض الاشتباك.

ويقول سكان محليون إن التوسع العسكري الإسرائيلي تسبب بخسائر كبيرة في الأراضي الزراعية والمراعي، بعد أن أصبحت آلاف الدونمات خارج نطاق الاستخدام الزراعي والرعوي، نتيجة أعمال الحفر والتجريف وإغلاق مساحات واسعة قرب القرى الحدودية.

وفي هذا السياق، أكد مدير الإعلام في القنيطرة محمد السعيد أن الآليات العسكرية الإسرائيلية نفذت عمليات حفر واسعة وإنشاء خنادق وسواتر ترابية امتدت من بلدة حضر حتى مناطق في الريفين الشمالي والأوسط، ما ألحق أضراراً مباشرة بالأراضي الزراعية والبنية البيئية في المنطقة.

وأشار السعيد إلى أن التقديرات الأولية للأضرار أظهرت تضرر نحو 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية، موضحاً أن الجهات المحلية تواصل توثيق الخسائر وسط صعوبات تتعلق بالوصول إلى المناطق المتضررة.

من جهتهم، عبّر مزارعون في المنطقة عن مخاوفهم من فقدان مصادر رزقهم، مؤكدين أن التوسع الإسرائيلي أدى إلى اقتلاع أشجار وتدمير مراعي ومناطق طبيعية كانت تشكل مورداً أساسياً للأهالي.

وقال المزارع أبو صدام حسن أحمد من بلدة جباتا الخشب إنه خسر نحو عشرة دونمات مزروعة بالأشجار المثمرة، بعدما دخلت أراضيه ضمن نطاق الخنادق والتحصينات الجديدة، مشيراً إلى أن حظيرته الخاصة بالمواشي أصبحت داخل منطقة عسكرية مغلقة.

وأضاف أن بلدته فقدت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، إلى جانب إزالة أجزاء من الغابات الطبيعية، محذراً من تداعيات بيئية خطيرة بسبب تغيير مجاري المياه الطبيعية وتعطيل تصريف مياه الأمطار.

كما تحدث سكان عن أضرار لحقت بالمحاصيل الزراعية نتيجة استخدام مواد كيميائية في بعض المناطق، فضلاً عن تآكل التربة وازدياد مخاطر السيول بسبب الخنادق العميقة التي قطعت مسارات المياه الطبيعية.

بدوره، قال مختار بلدة جباتا الخشب محمد مازن مريود إن عمق بعض الخنادق وصل إلى خمسة أمتار، مؤكداً أن المشروع أثر بشكل مباشر على الزراعة وتربية المواشي والحياة اليومية للسكان.

وأضاف أن التأثيرات لا تقتصر على بلدة واحدة، بل تمتد إلى معظم قرى محافظة القنيطرة، مع ازدياد القيود الأمنية ونقاط التفتيش وحالات المداهمة والاعتقال التي طالت مدنيين ورعاة أغنام خلال الفترة الماضية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً، بالتزامن مع استمرار الغارات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، رغم تأكيد الإدارة السورية الجديدة أنها لا تسعى إلى التصعيد العسكري مع إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد أعلنت، عقب سقوط نظام الأسد، انهيار اتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، ووسعت انتشارها داخل المنطقة العازلة، في خطوة أثارت انتقادات ومخاوف من تكريس واقع ميداني جديد في الجنوب السوري.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه التحركات العسكرية قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في الجغرافيا السكانية والزراعية لمحافظة القنيطرة، في ظل غياب أي مؤشرات على توقف المشروع أو التوصل إلى تفاهمات سياسية تنهي حالة التصعيد القائمة على الحدود.

 

- Advertisement -

- Advertisement -