دمشق
كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الجولة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو داخل منطقة الفصل في الجولان السوري المحتل لم تكن مجرد زيارة ميدانية، بل خطوة محسوبة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية، وتهدف إلى إيصال رسالة مباشرة إلى القيادة السورية الجديدة، وإلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكذلك إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وأوضحت الصحيفة أن حجم الرسالة بدا واضحاً من خلال سماح هيئة المحكمة بتعليق جلسات محاكمة نتنياهو ليوم كامل لتسهيل قيامه بالزيارة المعلنة تلفزيونياً.
وبحسب التقرير، رافق نتنياهو وفد رفيع ضم وزير الدفاع إسرائيل كاتس، ورئيس الأركان هرتسي هليفي، ورئيس جهاز الشاباك دافيد زيني، إضافة إلى وزير الخارجية غدعون ساعر، ما يعكس الطابع السياسي للخطوة إلى جانب بعدها الأمني، خاصة أن الزيارة جرت بالقرب من خطوط التماس العسكرية.
ونقلت الصحيفة أن نتنياهو سعى من خلال هذه الجولة إلى تأكيد استمرار انتشار الجيش الإسرائيلي داخل تسعة مواقع في منطقة الفصل بالجولان، إضافة إلى تمركزه في قمة جبل الشيخ التي توفر مراقبة واسعة لأجواء دمشق.
وترى إسرائيل، وفق التقرير، أن بقاء هذه القوات ضروري حتى تلتزم دمشق بشروط أمنية محددة، تشمل إقامة منطقة خالية من السلاح تمتد من العاصمة السورية جنوباً حتى الحدود الأردنية، وتصل شرقاً إلى عمق ثلاثين كيلومتراً في ريف درعا، مع حظر وجود أسلحة ثقيلة أو تشكيلات عسكرية كبيرة تابعة للحكومة الانتقالية أو المجموعات المدعومة من إيران.
وتضيف الصحيفة أن إسرائيل تتمسك أيضاً بالحفاظ على وجود دائم في قمة جبل الشيخ، إلى جانب المطالبة بفتح ممر بري يربط مناطق الجولان بالقـرى الدرزية في السويداء، بهدف تقديم مساعدات وضمان أمن السكان الدروز.
ووفق يديعوت أحرونوت، فإن المفاوضات حول هذه المطالب استمرت أشهراً دون إحراز تقدم، وأدار المباحثات بداية رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق تساحي هنغبي، قبل إبعاده عن المنصب وتكليف الوزير رون ديرمر بمتابعة الملف، بينما مثل الجانب السوري وزير الخارجية حسن الشيباني.
وأفاد التقرير بأن دمشق تمسكت بإخراج الجيش الإسرائيلي من منطقة الفصل باعتبارها جزءاً من الأراضي السورية، كما سعى النظام الجديد للحصول على مكاسب سياسية قد تعزز علاقته مع واشنطن وتخفف الضغوط الاقتصادية.
كما أشارت الصحيفة إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لعب دوراً بارزاً في تقريب وجهات النظر بين الشرع وترامب، ما أدى إلى تحسن صورة القيادة السورية الجديدة في الولايات المتحدة. إلا أن مجمل الجهود توقفت عندما رفضت دمشق مطلب فتح ممر إلى السويداء، وأصرت على انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي أنشأتها داخل المنطقة منزوعة السلاح.
ونقلت الصحيفة أن السبب المباشر لتحرك نتنياهو كان القلق الإسرائيلي من المشاهد الودية التي ظهرت خلال لقاء الشرع مع ترامب في البيت الأبيض، حيث بدا الأخير وهو يرش عطوره الخاصة على الشرع ووزير خارجيته، في مشهد اعتبرته تل أبيب دليلاً على احتمال نشوء تقارب كبير قد يعيد رسم السياسات الأميركية تجاه سوريا وإسرائيل.
وترى إسرائيل، وفق الصحيفة، أن المؤشرات الصادرة من واشنطن كانت كافية للتحرك، وأن إصدار موقف ميداني بدا أفضل من خوض مواجهة سياسية مفتوحة مع البيت الأبيض. لذلك تم اختيار زيارة عسكرية – سياسية في منطقة حساسة لإيصال الرسالة بشكل واضح دون إثارة أزمة دبلوماسية مباشرة.
وذكرت الصحيفة أن الرد السوري جاء سريعاً، إذ أصدرت دمشق بياناً شديد اللهجة اعتبرت فيه الزيارة “خرقاً للقانون الدولي” و”اعتداءً على السيادة السورية”، وتوجهت بطلب عاجل لعقد جلسة لمجلس الأمن. وشهدت الجلسة مشادة كلامية بين مندوبي سوريا وإسرائيل، فيما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه، وطالبت فرنسا بانسحاب القوات الإسرائيلية من الجولان، بينما فضّلت الولايات المتحدة عدم إصدار أي تعليق.
وختمت يديعوت أحرونوت تقريرها بالقول إن إسرائيل أرادت من هذه الخطوة تأكيد تمسكها بمتطلباتها الأمنية في الجنوب السوري، سواء للشرع أو لترامب أو لتركيا وروسيا، مضيفة أن الأسابيع المقبلة وحدها ستُظهر مدى استجابة الأطراف لهذه الرسالة، وما إذا كان ترامب ومحمد بن سلمان سيتعاملان معها دون رد فعل سلبي.