لكل السوريين

برد اللاذقية يفضح العجز.. التدفئة تتحول إلى حلم بعيد المنال

اللاذقية/ سلاف العلي

مع أولى موجات البرد في اللاذقية وريفها، تتكشف معاناة جديدة للمواطنين، حيث تحولت التدفئة من حاجة أساسية إلى رفاهية بعيدة المنال لغالبية الأسر. فقبل فترة قصيرة، كانت المدفأة الصغيرة تُباع بسعر يتراوح بين 350 و450 ألف ليرة سورية، بينما قفز سعرها اليوم إلى ما بين 750 و900 ألف ليرة، في حين تراوح أسعار الأحجام الأكبر والأنواع الأفضل بين مليون ومليون ونصف ليرة، وهي أرقام لا تمت بصلة إلى دخل معظم المواطنين في اللاذقية ومدنها وريفها.

ورغم الارتفاع الكبير في أسعار المازوت، تبقى التدفئة به – مقارنة بالكهرباء والغاز – الخيار الأكثر جدوى والأقل انقطاعاً، ما دفع الطلب باتجاهه رغم كلفته الثقيلة، في المقابل، تراجع الإقبال على مدافئ الكهرباء والغاز بعد الرفع الكبير للتسعيرة، إذ تحولت فاتورة الكهرباء إلى كابوس شهري، وأصبحت أسطوانة الغاز عبئاً مؤجلاً لا يُستخدم إلا للضرورة القصوى.

ومع تضييق خيارات التدفئة واتساع دائرة الغلاء، يُدفع الفقراء إلى الزاوية مع كل انخفاض جديد في درجات الحرارة. ففي اللاذقية وريفها، لا يبدأ الشتاء من النوافذ ولا من الغيوم، بل من الأسواق، وتحديداً من واجهات محال مدافئ المازوت، حيث ارتفعت الأسعار بوتيرة صادمة، وكأن البرد نفسه بات سلعة تُباع في سوق بلا رقابة.

وتشهد أسواق مدافئ المازوت ومتمماتها حالة من الفوضى الواضحة، وسط غياب أي رقابة حقيقية، حيث تنشط الفوارق السعرية الكبيرة بين محل وآخر، وأحياناً تكون صادمة، وتختلف باختلاف الحي والمكان ومزاج التاجر، المواصفات غير واضحة، والجودة متقلبة، ولا معيار يحكم السوق سوى القدرة على الدفع؛ فمن يملك المال يختار، ومن لا يملكه يُنصح بالصبر والتحمّل.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تصاعد معدلات الاستغلال، فالبرد لا ينتظر، والأطفال لا يحتملون، والمفقرون لا يملكون ترف المقاطعة أو الانتظار، فيجدون أنفسهم مضطرين للشراء بأسعار يدرك الجميع أنها غير عادلة، لكن لا أحد يوقفها، وحين يفقد المفقرون الأمل، يصبح المشهد أكثر قسوة.

فالأقسى في هذه الصورة ليس الأرقام وحدها، بل الوجوه: أطفال ينامون بملابسهم الثقيلة، وأيدٍ صغيرة متشققة من الصقيع، وبيوت يغلفها البرد أكثر مما تغلفها الجدران، وعائلات فقدت أي أمل بالحصول على وسيلة تدفئة حقيقية مع بدء فصل الشتاء، وتتعامل مع البرد كقدر لا كأزمة يمكن حلها.

الشتاء هنا لا يعني المطر فقط، بل يعني الإذلال اليومي، وحساب ساعات تشغيل المدفأة، وإطفاءها قبل أن ينام الأطفال، والقلق من مرض لا يُعالج لأن التدفئة كانت أول ما جرى الاستغناء عنه، وفي هذا الواقع، يبدو الغضب مشروعاً، بينما تبقى المسؤولية غائبة، ليس فقط عن جشع بعض التجار، بل عن السياسات الحكومية التي رفعت أسعار الكهرباء والمازوت والغاز دفعة واحدة، من دون توفير بدائل حقيقية أو حماية للفئات الأضعف.

وحين تُرفع الأسعار بلا ضبط للسوق ولا دعم للفقراء، يتحول البرد إلى عقوبة جماعية لا إلى ظرف طبيعي، فالتدفئة ليست من الكماليات، بل حق إنساني أساسي، خصوصاً للأطفال وكبار السن، وأي دولة لا تضع هذا الحق في صلب سياساتها، تترك مواطنيها عراة أمام الشتاء، مهما كثرت التصريحات.

في اللاذقية وريفها، البرد هذا العام ليس أشد من الأعوام السابقة، لكن القدرة على مواجهته هي التي انهارت، وبين مدفأة تضاعف سعرها، وسوق بلا رقابة، وحكومة ترفع التسعيرات، يبقى المفقرون وحدهم في مواجهة الصقيع، بلا نار، ولا عدالة، ولا أمل قريب.

- Advertisement -

- Advertisement -