لكل السوريين

تأهيل سدود القنيطرة.. خطوة ضرورية لمواجهة الجفاف وتأمين مياه موسم الأمطار

القنيطرة/ رجاء مختار

تمثّل السدود في محافظة القنيطرة جنوب غرب سوريا، عنصراً أساسياً في تأمين الموارد المائية واستقبال مياه الأمطار، خصوصاً في ظل انخفاض معدلات الهطول خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى تفاقم أزمة الجفاف في المنطقة.

وتشير البيانات المحلية إلى أن نسبة التخزين في سدود القنيطرة وصلت إلى مستويات متدنية للغاية، حيث يُقدر أن نحو 98% من هذه السدود تقع ضمن ما يُعرف بالحجم الميت، أي أن مخزونها المائي لا يكفي لتلبية احتياجات الري أو الاستخدام البشري.

ويُضاف إلى ذلك أن الموسم المطري الحالي شهد هطولات منخفضة للغاية لا تتجاوز ربع المعدل السنوي المعتاد، ما انعكس على جفاف عدد من السدود، باستثناء سد المنطرة الذي تمكن من الاحتفاظ بجزء من مخزونه، رغم أن الوضع العام لا يزال مقلقاً.

ومن بين السدود الأخرى المنتشرة في أرياف المحافظة سدود كودنة، سد الرقاد، سد بريقة، سد روحينة، وسد الهجة، لكنها جميعها تعاني من ضعف التخزين وعدم القدرة على تأمين المياه الضرورية للزراعة والاستخدامات اليومية.

تتعدد أسباب هذا التدهور، فإضافة إلى قلة الأمطار، يعاني قطاع البنى التحتية المائية في القنيطرة من الإهمال المزمن ونقص الصيانة، مما أدى إلى تراجع فعالية السدود حتى في المواسم المطرية العادية، وقد أظهرت سنوات الحرب أن الاستفادة من هذه السدود كانت محدودة، حيث لم تتجاوز في بعض الأحيان نسبة المياه المستخدمة نحو 5% من السعة الكلية.

كما زاد الوضع الأمني من تعقيد إدارة هذه الموارد، إذ سيطرت القوات الإسرائيلية على سد المنطرة، ما أثار مخاوف بشأن تأثير ذلك على الأمن المائي في المحافظة وأريافها. وتعتبر هذه السيطرة جزءاً من استراتيجية إقليمية تهدف إلى التحكم بالموارد المائية، نظراً لأهمية السدود كمصدر للمياه والزراعة وربما للطاقة في المنطقة.

يبرز تأهيل السدود في هذا السياق كأولوية قصوى، إذ أن إعادة ترميمها وصيانة البنية التحتية المرتبطة بها من بوابات الفيضان والمضخات وشبكات الري ستسهم في تعزيز قدرة القنيطرة على جمع مياه الأمطار واستثمارها. كما أن ذلك يدعم الزراعة المحلية ويحسن حياة السكان، الذين يعتمد الكثير منهم على هذه المياه لري الأراضي ومراعي المواشي.

وتُعد إعادة تأهيل السدود خطوة ضرورية لتحقيق استقلالية مائية جزئية وتقليل الاعتماد على مصادر قد تكون خارج السيطرة المحلية، إضافة إلى أنها تمثل قاعدة للتنمية المستقبلية، بما في ذلك استثمارات محتملة في الزراعة والطاقة المتجددة.

على الرغم من الحاجة الملحة لإعادة التأهيل، تواجه هذه العملية عدد من العقبات، أبرزها نقص المياه الأصلية الناتج عن قلة الأمطار، والأضرار البنيوية التي لحقت بالسدود جراء سنوات الإهمال والنزاع، بالإضافة إلى التعقيدات الأمنية والسياسية التي تحول دون الوصول إلى بعض السدود أو تنفيذ أعمال صيانة فيها، كما أن ضعف دعم الدولة وغياب خطة واضحة لإدارة الموارد المائية يزيدان من صعوبة استغلال هذه السدود بكفاءة.

من هنا، يصبح العمل على إعداد خطة شاملة لإعادة تأهيل السدود ضرورياً، بدءاً بإحصاء شامل لجميع المنشآت لتقييم قدرتها التخزينية وحالتها الإنشائية، وتحديد الأولويات بناءً على هذا التقييم. كما يجب تنفيذ صيانة عاجلة تشمل بوابات الفيضان والمضخات وشبكات الري، مع التركيز على السدود التي تقع تحت الإدارة المحلية.

إلى جانب ذلك، من المهم ترشيد استخدام المياه وتشجيع السكان على الاستفادة من مياه الأمطار وإعادة تدوير المياه المتاحة، إضافة إلى تعزيز التعاون المجتمعي بين المزارعين وإدارة الموارد بشكل جماعي لضمان استدامة الاستخدام. يمكن أيضاً البحث عن شراكات مع منظمات دولية أو مؤسسات بيئية لدعم الجهود الفنية والمالية لإعادة تأهيل السدود وتحسين الأمن المائي في المحافظة.

يبقى مستقبل القنيطرة مرتبطاً بشكل وثيق بمدى قدرة الجهات المحلية على تأهيل السدود واستثمارها بشكل فعّال، إذ تشكل هذه المنشآت شريان حياة للزراعة والمياه، وأداة للبقاء أمام تحديات الجفاف ونقص الموارد. إن تأهيل السدود وإعادة تشغيلها بشكل كامل يتيح فرصة لتحسين الأمن المائي، دعم الاقتصاد الزراعي، وتأمين حياة كريمة للسكان، بينما تجاهل هذه المهمة قد يؤدي إلى تفاقم أزمة المياه وارتفاع معاناة السكان، خصوصاً مع استمرار انخفاض معدلات الأمطار.

موسم الأمطار القادم يمثل فرصة حاسمة لإعادة تأهيل السدود وضمان قدرتها على استقبال المياه، بما يحفظ القنيطرة من كارثة مائية محتملة ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -