دمشق/ مرجانة إسماعيل
في شوارع دمشق القديمة، حيث تتداخل روائح التاريخ مع أنفاس المرضى المتعبة، تصطف وجوهٌ منهكة أمام بنوك الدم في المشافي الحكومية. يحمل الأهالي أوراق التحاليل الطبية وكأنها تذاكر عبور إلى عالم من الأمل، لكنهم يصطدمون بواقع مرير: آلية “المتبرع مقابل الكيس” التي تفرض على كل مريض تقديم عدد من المتبرعين مساوٍ لما يحتاجه من أكياس الدم. ستة أكياس تعني ستة متبرعين، وثلاثة أكياس تحتاج ثلاثة، وهي قاعدة يعرفها الجميع، رغم الاستثناءات المحدودة في العاصمة التي لا تخفف من معاناة عائلات تخوض سباقاً مع الزمن.
وسط هذه الأجواء، تبرز قصة أبو علي، الذي ظلّ ثلاثة أيام يطوف بين مشافي دمشق بحثاً عن متبرعين لابنته المصابة بسرطان الدم. يقول أبو علي: “زرت الجامعي والمواساة وتشرين، الجميع يتحدثون عن النقص. حتى حين وجدت متبرعين، كانت الأجهزة المتعطلة تعطل عملية الفحص”. كان يخرج من كل بنك دم محملاً بخيبة أمل جديدة، حتى اضطر لبيع خاتم زواجه لدفع ثمن متبرعين من السوق السوداء.
وفي حي الميدان، تحكي أم محمد قصة مختلفة. كانت تبحث عن زمرة O- لابنها الذي تعرض لحادث سير. لجأت إلى مجموعات التطوع على فيسبوك، حيث استجاب شاب من دوما بعد منتصف الليل. تقول: “قطع الشاب طريقاً طويلاً من ريف دمشق، وصل وإياه التعب واضحاً على وجهه، لكنه أنقذ حياة ابني”. هذه القصة تظهر كيف أصبحت منصات التواصل الاجتماعي شريان حياة للمحتاجين.
أما الدكتور نبيل الساحلي، العامل في بنك الدم المركزي، فيشرح أن “الأزمة ليست في نقص المتبرعين فقط، بل في تهالك الأجهزة التي لم يتم تحديثها منذ سنوات، ونقص الكوادر المؤهلة”. ويضيف أن “الزمر السلبية مثل O- وAB- تشكل تحدياً أكبر، خاصة في حالات الطوارئ التي تستنزف المخزون بسرعة”.
وفي مكتبه بمشفى الأسد الجامعي، يوضح مدير بنك الدم الدكتور معن القادري أن “المؤسسة تعمل على تحديث الأنظمة وتوحيد الآليات، لكن التحديات كبيرة”. ويشير إلى مشاريع التعاون مع منظمات محلية مثل “هيئة تنمية العمل الصحي” التي تسعى لإنشاء قاعدة بيانات للمتبرعين، خاصة لأصحاب الزمر النادرة.
لكن الواقع يبقى قاسياً. ففي حي القابون، اضطرت عائلة لبيع أثاث منزلها لتأمين دم لوالدتهم التي أجريت لها عملية قلب مفتوح. بينما في مشفى الهلال، تحولت غرف الانتظار إلى مسرح لمشاهد مأساوية، حيث ينتظر الأهالي لساعات طلباً لوحدة دم قد تنقذ حبيباً.
وتقول سمر، إحدى المتطوعات في مبادرة “دماء للجميع”: “نحاول سد الفراغ قدر المستطاع، ننظم حملات تبرع في الجامعات والنوادي، لكن الجهود فردية وتحتاج إلى دعم مؤسسي”.
تبقى أزمة الدم في دمشق مرآة تعكس أزمة النظام الصحي بأكمله. فوراء كل كيس دم قصة إنسان، ووراء كل نقص مأساة عائلة. بينما تستمر المحاولات الفردية والمبادرات المجتمعية في سد الثغرات، يبقى الحل الجذري يحتاج إلى إرادة سياسية واستثمار حقيقي في البنية التحتية للصحة العامة، وإلا ستستمر دمشق تشهد مشاهد الأهالي وهم يركضون خلف دماء أحبائهم.