الرقة – غادة علي
برزت تجربة المرأة السياسية في شمال وشرق سوريا خلال الأعوام الماضية كنموذج متقدم في المشاركة وصنع القرار، بعدما نجحت النساء في ترسيخ حضور فاعل داخل المؤسسات المدنية والسياسية، والمساهمة في تكريس مبدأ الشراكة والتمثيل المتوازن، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على طبيعة الإدارة والحياة العامة في المنطقة.
ومع اتساع النقاشات حول مستقبل سوريا وشكل نظامها السياسي في المرحلة المقبلة، يطرح اليوم سؤال محوري حول إمكانية نقل هذه التجربة إلى الداخل السوري، وتكييفها مع الخصوصيات الاجتماعية والسياسية المختلفة، بما يضمن دوراً حقيقياً للمرأة في بناء الدولة السورية الجديدة، على اعتبار أن أي عملية سياسية تُقصي النساء أو تهمّش مشاركتهن ستبقى ناقصة، وقابلة للتعثر، وغير قادرة على إنتاج استقرار مستدام أو سلام شامل.
وفي هذا الإطار، يواصل مجلس المرأة السورية العمل على نقل تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا إلى مختلف المناطق السورية، من خلال سلسلة نشاطات حوارية وتفاعلية ينظمها في عدد من المدن، بهدف فتح نقاشات عامة حول قضايا المرأة، وتعزيز مشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية، وإبراز دورها في مسارات بناء السلام والعدالة الانتقالية.
وتندرج هذه النشاطات ضمن رؤية أوسع يتبناها المجلس، تقوم على تعريف المجتمعات المحلية بمفهوم العدالة الانتقالية وأهميته في السياق السوري، باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، ومعالجة آثار سنوات طويلة من النزاع والانتهاكات التي طالت مختلف مكونات المجتمع.
وفي مداخلات قُدمت خلال هذه اللقاءات الحوارية، أكدت شخصيات سياسية وحقوقية ونسوية مشاركة أن العدالة الانتقالية تمثل مدخلاً رئيسياً لتحقيق الاستقرار، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، مشيرات إلى أن هذا المسار لا يقتصر على أدوات قانونية أو إجراءات شكلية، بل يعكس تطلعات السوريين إلى إنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، ووضع حد لدوامة العنف التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وتعد العدالة الانتقالية عنصراً محورياً في أي عملية تحول سياسي جادة، لما لها من دور في ترسيخ مبادئ المحاسبة، ومنع تكرار الانتهاكات، وإرساء أسس دولة القانون والمؤسسات.
كما أكدت منسقية مجلس المرأة السورية، في أكثر من مناسبة، على ضرورة إبقاء ملف العدالة الانتقالية في صدارة النقاشات الوطنية، محذّرة من أن تجاهله سيترك آثاراً عميقة على مستقبل سوريا، إضافة إلى أن أي مسار سياسي لا يتضمن رؤية واضحة وشاملة للعدالة الانتقالية لن يفضي إلى سلام دائم أو استقرار حقيقي.
وفي السياق ذاته، ركزت مشاركات نسويات وحقوقيات على الدور المحوري للمرأة في مسار العدالة الانتقالية، لافتات إلى أن النساء كن من أكثر الفئات تضرراً خلال سنوات النزاع، حيث تعرضن لانتهاكات متعددة، شملت العنف الجنسي، والتشريد القسري، وفقدان المعيل، وما خلّفته هذه الانتهاكات من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد.
وفي المقابل، أكدن أن النساء يمتلكن قدرة كبيرة على الإسهام في عمليات المصالحة وجبر الضرر، انطلاقاً من دورهن داخل الأسرة والمجتمع، مشددات على أن إشراك النساء في صياغة وتنفيذ برامج العدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة، وآليات التعويض، وإعادة الإعمار، يُعد أمراً أساسياً لضمان شمولية هذا المسار ونجاحه.
وتطرقت النقاشات إلى أن غياب الدور النسائي عن عمليات العدالة الانتقالية سيجعل أي مقاربة مطروحة قاصرة وغير قادرة على معالجة الجروح العميقة التي خلّفها النزاع، أو بناء ثقة حقيقية بين مكونات المجتمع.
كما شهدت اللقاءات مداخلات أكدت أن العدالة الانتقالية ليست ترفاً فكرياً أو طرحاً نخبوياً، بل ضرورة وطنية ملحّة، وأن تحقيق سلام حقيقي في سوريا يتطلب مواجهة الماضي بشجاعة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا مادياً ومعنوياً، كخطوة أساسية لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي المنهك.
ويؤكد مجلس المرأة السورية، من خلال هذه النشاطات المستمرة، أن العدالة الانتقالية ليست مجرد آلية قانونية أو مسار تقني، بل مشروع وطني شامل، يهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة الجناة، وإطلاق عملية مصالحة وطنية حقيقية، تُؤسّس لمستقبل أكثر عدلاً واستقراراً لجميع السوريين، مع التأكيد على أن مشاركة المرأة في هذا المشروع تشكل ركناً أساسياً لنجاحه واستدامته.
ويرى متابعون للشأن العام أن الحديث عن مستقبل سوريا بمعزل عن مشاركة النساء لم يعد مقبولاً، في ظل التجارب التي أثبتت أن إقصاء المرأة من مواقع القرار ينعكس سلباً على استقرار المجتمعات وقدرتها على التعافي بعد النزاعات، وتُعد مشاركة المرأة، وفق مختصين، شرطاً أساسياً لضمان شمولية أي عملية سياسية، كونها تمثل نصف المجتمع وصاحبة تجربة مباشرة مع آثار الحرب وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وتشير قراءات سياسية وحقوقية إلى أن إشراك النساء في صياغة السياسات العامة، ووضع الدساتير، وإدارة المرحلة الانتقالية، يسهم في إنتاج مقاربات أكثر توازناً وعدالة، ويعزز فرص التوصل إلى حلول مستدامة، كما أن وجود المرأة في مواقع صنع القرار يُعد مؤشراً على جدية أي مشروع وطني يسعى إلى بناء دولة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وفي السياق ذاته، لا ينبغي أن تكون مشاركة المرأة شكلية أو محصورة بأدوار رمزية، بل يجب أن تقوم على تمثيل حقيقي وفاعل داخل المؤسسات السياسية والتنفيذية والتشريعية، بما يتيح لها التأثير في مسارات القرار، والمساهمة في رسم السياسات المرتبطة بالعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار.
كما تبرز أهمية إشراك النساء في لجان الحقيقة والمساءلة، وهيئات جبر الضرر، باعتبار أن كثيراً من الانتهاكات التي شهدتها سوريا طالت النساء بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن مقاربة هذه الملفات من دون صوت النساء ستبقى قاصرة عن الإحاطة بحجم الأذى الذي لحق بالمجتمع.
وتشير تجارب دولية في سياقات ما بعد النزاع إلى أن مشاركة المرأة في عمليات السلام والعدالة الانتقالية تزيد من فرص نجاحها واستمراريتها، وهو ما يجعل من تمكين المرأة السورية سياسياً ومجتمعياً ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها، إضافة إلى أن الاستثمار في قدرات النساء، ودعم مشاركتهن، يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويحد من عودة العنف بأشكاله المختلفة.
وفي هذا الإطار، يؤكد مجلس المرأة السورية في مختلف نشاطاته أن تمكين المرأة لا ينفصل عن مشروع بناء الدولة السورية الجديدة، وأن تعزيز حضور النساء في الحياة العامة يشكل ضمانة أساسية لعدالة أوسع، ومشاركة أكثر شمولاً، ومستقبل يقوم على الشراكة لا الإقصاء.
ويرى المجلس أن نقل تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا يمثل خطوة عملية لإثبات أن إشراك النساء في القرار ليس خياراً ثانوياً، بل ركيزة أساسية لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقي.