حماة/ جمانة الخالد
لم تعد الدراجات النارية في مدينة حماة وريفها، مجرد وسيلة نقل سريعة ومنخفضة التكلفة، بل تحولت في نظر كثير من السكان إلى مصدر إزعاج مستمر وخطر حقيقي يهدد السلامة العامة. انتشارها الواسع في الشوارع الضيقة، والأسواق الشعبية، والطرق الريفية، ترافق مع ارتفاع واضح في شكاوى الأهالي من الضجيج والحوادث والسلوكيات المتهورة، ما جعل هذه الظاهرة واحدة من أكثر القضايا اليومية إثارة للقلق.
في أحد أحياء مدينة حماة الشرقية، تجلس أم رائد قرب نافذة منزلها في ساعات المساء، محاولة تهدئة طفلها الرضيع الذي يستيقظ مفزوعاً مع كل صوت دراجة نارية تمر مسرعة. تقول إن الأصوات المرتفعة أصبحت جزءاً من يومها، لكنها لم تعتد عليها أبدًا. تضيف أن بعض الدراجات تصدر أصواتًا حادة تشبه الانفجارات الصغيرة، خاصة عند التسارع المفاجئ، ما يجعل النوم المتواصل أمراً شبه مستحيل، خصوصاً في فصل الصيف حين تضطر العائلات لفتح النوافذ.
في مركز المدينة، حيث الحركة لا تهدأ، يشكو أصحاب المحال من الإزعاج والخطر معاً أبو نبيل، صاحب محل أحذية في شارع حيوي، يروي كيف أصبحت الدراجات النارية تمر بسرعة بين السيارات والمشاة دون أي اعتبار. يقول إن أحد الزبائن تعثر وسقط بعد أن حاول الابتعاد بسرعة عن دراجة اقتربت منه بشكل مفاجئ. لم تقع إصابة خطيرة، لكن الحادثة تركت خوفاً دائماً لدى من شهدها، وأكدت أن المسألة تتجاوز الإزعاج إلى تهديد مباشر للأمان.
في ريف حماة، لا يختلف المشهد كثيراً، بل يأخذ أبعاداً أخرى. في قرية زراعية قريبة من سهل الغاب، يشتكي المزارع أبو عمار من مرور الدراجات النارية بسرعة كبيرة على الطرق الترابية الضيقة بين الحقول. يقول إن الغبار الكثيف الناتج عنها يزعج العاملين، ويؤثر على المزروعات القريبة من الطرق. لكنه يشير إلى خطر أكبر، حين تمر الدراجات قرب الأطفال أو المواشي دون تخفيف السرعة. يروي حادثة كادت أن تتحول إلى مأساة، عندما اصطدمت دراجة مسرعة بغنمته، ما أدى إلى نفوقها وإصابة السائق بجروح.
في القرى، تُستخدم الدراجات النارية بكثرة من قبل المراهقين، وغالباً دون إشراف أو خبرة كافية. خالد، مدرس في إحدى مدارس الريف، يقول إن طلابه يتحدثون بفخر عن قيادتهم للدراجات، وبعضهم يقودها دون أي وسائل أمان. يضيف أن أحد طلابه تغيّب عن المدرسة لأسابيع بعد تعرضه لحادث أدى إلى كسر في ساقه. بالنسبة له، المشكلة لا تكمن في الدراجة بحد ذاتها، بل في غياب الوعي والتدريب، وتحول القيادة المتهورة إلى نوع من الاستعراض.
الإزعاج الصوتي لا يقتصر على المدن، بل يمتد إلى القرى الهادئة التي كانت تُعرف بسكونها. في إحدى القرى الغربية، تقول أم حسن إن صوت الدراجات أصبح يقطع هدوء المساء الذي اعتاد عليه الأهالي. تشرح أن بعض الشبان يتجولون ليلاً بدراجاتهم دون هدف واضح، فقط للقيادة وإحداث الضجيج. هذا الواقع دفع بعض كبار السن إلى تجنب الجلوس خارج المنازل، بعدما كانوا يقضون ساعات طويلة في الأحاديث المسائية.
أما الخطر المروري، فيتجلى بشكل واضح على الطرق العامة التي تربط المدينة بالريف. سامي، سائق شاحنة، يقول إن أكثر ما يقلقه هو ظهور الدراجات فجأة من طرق فرعية أو تجاوزها من اليمين واليسار دون إشارات. يؤكد أنه شهد حوادث مروعة كان ضحاياها في الغالب من سائقي الدراجات أنفسهم، نتيجة السرعة الزائدة أو عدم ارتداء الخوذ الواقية.
من جهة أخرى، يعترف بعض سائقي الدراجات بالمشكلة، لكنهم يبررون استخدامها بالظروف المعيشية الصعبة. علاء، شاب يعمل في توصيل الطلبات بين المدينة والريف، يقول إن الدراجة هي وسيلته الوحيدة للعمل، وإنه يحاول القيادة بحذر. لكنه يشير إلى أن الفوضى العامة، وغياب التنظيم، يجعل السائق الحذر عرضة للخطر أيضاً، بسبب تصرفات الآخرين المتهورة.
مع تزايد أعداد الدراجات النارية في حماة وريفها، بات الإزعاج والخطر الناتجان عنها واقعاً يومياً لا يمكن تجاهله. بين ضجيج يقلق راحة الناس، وسلوكيات تهدد الأرواح، يعيش الأهالي حالة من التوتر الدائم. ويجمع كثيرون على أن الحل لا يكمن في منع هذه الوسيلة، بل في تنظيمها، ونشر الوعي، وفرض قواعد تضمن حق الجميع في الأمان والهدوء، قبل أن تتحول هذه المشكلة إلى ثمن إنساني أكبر يصعب تداركه.