ريف دمشق/ مرجانة إسماعيل
في ريف دمشق، الذي يعيش مرحلة حرجة من جهود إعادة الإعمار وإزالة الركام بعد سنوات الحرب الطويلة التي شهدتها البلاد، باتت مشكلة الأنفاق القديمة والعشوائية واحدة من أكثر العقبات تأثيراً في العملية القائمة على الأرض. هذه الأنفاق، التي حفرت في سياقات متعددة طوال سنوات الصراع، باتت تُشكّل تهديداً تقنياً وتحدياً لوجستياً أمام الفرق العاملة في تنظيف المناطق المدمّرة وإعادة بنائها، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مسار الإعمار الذي لا يزال بعيداً عن الاكتمال.
منذ سنوات، حفرت فصائل المعارضة السورية شبكة معقّدة من الأنفاق تحت المباني والطرقات في العديد من القرى والأرياف المحيطة بدمشق كشبكات تكتيكية للحركة الآمنة تحت القصف أو للتخبّؤ، وقد ترك هذا الطابع تحت الأرض دون خرائط واضحة أو معلومات دقيقة عن امتداده. مع عودة العائلات إلى مناطقها المتضررة، ومع بدء عمليات إزالة الأنقاض، اكتشف العاملون أن شبكات الأنفاق هذه تعيق حركة الآليات الثقيلة وتقلّل من الاستقرار البنيوي للتربة تحت الحطام، ما يضاعف من المخاطر على العمال والسكان الذين يبذلون جهودهم لإعادة الحياة إلى طبيعتها.
في إحدى القرى الشرقية من ريف دمشق، وجد أحد العمال المشاركين في إزالة الركام شبكة أنفاق تحت كومة من الحجارة والحديد الممتد على مساحة عشرات الأمتار. يروي العامل: «كنا نظن أن هذه الكومة من الركام يُمكن إزالتها بسهولة، لكن عندما بدأنا في استخدام الجرافات الثقيلة، تبيّن أن هناك فتوحاً تحت الأرض تمتد لمسافة طويلة. اضطررنا لإيقاف العمل وإحضار فريق هندسي لتقييم الوضع، لأنّ استمرارنا دون معرفة ما إذا كانت الأرض مستقرة يعني تعريض الحياة للخطر».
هذه الحفر التي لم تُسجَّل في الخرائط أو الخطط الهندسية تجعل من إزالة الركام مهمة مُرهقة بزيادة، خاصة أن الفرق لا تستطيع الاعتماد على المعدات الثقيلة في كل المواقع خشية انهيار مفاجئ لأجزاء من الأرض. ويضيف مهندس مختص في أعمال الترميم والتنظيف: «المشكلة ليست فقط في توافر الأنفاق، بل في عدم وجود بيانات دقيقة عن مواقعها وعمقها ومدى تأثيرها على التضاريس الحالية. من غير الممكن أن نعمل بعشوائية تحت هذا الركام دون معرفة ما إذا كانت هذه الأرض ثابتة بما فيه الكفاية لتحمّل المعدات الثقيلة أو مرور الناس فوقها».
وتتداخل هذه المشكلة مع تكلفة إعادة الإعمار الضخمة في سوريا عموماً، التي تُقدَّر بنحو مئات مليارات الدولارات، وهو رقم يعكس حجم الدمار الذي تحتاج البلاد إلى تجاوزه قبل أن تتمكن من إعادة بنائها كما ينبغي. وتُعدّ إزالة الأنقاض جزءاً أساسياً من هذه العملية قبل بدء أي أعمال بنائية أو ترميمية ضخمة، إلا أن العقبات الأرضية تزيد من تكلفة الوقت والجهد والموارد المطلوبة.
في إحدى القرى القريبة من دمشق، شارك مجموعة من الشباب في حملات تطوعية لإزالة الركام من أمام المنازل المهدمة. يقول أحدهم: «نحن نريد أن نعيد إلى منطقتنا رونقها القديم، ولكن كلما بدأنا في إزالة الركام نجد فجوات تحت الأرض. في بعض الأحيان نجد آثار أنفاق قد تضررت أو انهارت، مما يجعل من الصعب حتى تحريك الحجارة بأمان دون علم مسبق بما يوجد تحتها»، هذه المشاعر المشتركة بين الكثير من المتطوعين والعمال تُظهر مدى التعقيد الذي يُضيفه هذا العامل الأرضي غير المرئي تقريباً إلى الجهد المبذول.
الأهالي الذين يعودون إلى منازلهم يضطرون في كثير من الأحيان إلى التوقف عن أعمالهم بسبب انسداد الطرق أو عدم قدرة الآليات على الوصول إلى مواقع معينة، مما يؤخّر أعمال إزالة الأنقاض أو يجعلها أكثر تكلفة. أحد السكان يقول: «بدلاً من أن تمتلئ شوارعنا بالمعدات التي تسحب الأنقاض، تجد الكثير من الآليات متوقفة على أبواب الأنفاق تحت الأرض، لأن أحداً لا يستطيع أن يتعامل معها دون خبير. لقد باتت هذه المشكلة أكثر من مجرد فتحة أو حفر صغيرة، إنها شبكة كبيرة تحت أسس قريتنا القديمة.»
الأنفاق ليست فقط عائقاً ميكانيكياً، بل كما يشير الخبراء تُعدُّ تهديداً هندسياً للبنية التحتية، إذ يمكن أن تؤدي إلى هبوط تدريجي في الأرضية مما قد يؤثر لاحقاً على المباني المتبقية أو التي سيتم بناؤها من جديد. وهذا يستدعي دراسة جيوتقنية متأنية لكل موقع قبل أي عمل إنشائي أو إزالة مباشرة للركام، ما يعني تكاليف إضافية وتأخيرات أكبر في الجدول الزمني لمشاريع الإعمار.
ويُضاف إلى ذلك أن بعض الأنفاق تمتد تحت مبانٍ تعتبر تاريخية أو ذات قيمة تراثية، مما يزيد من حساسية التعامل معها بحيث لا يمكن هدمها أو ملؤها بشكل عشوائي خوفاً من التأثير في الأساسات وهدم ما تبقى من المبنى. في بعض القرى القديمة، عمدت فرق هندسية بالتعاون مع أهل المنطقة إلى وضع خطط للترميم التدريجي للتربة وتثبيتها قبل إزالة الركام فوق الأنفاق، ما يجعل العملية أكثر بطئاً وأشد تكلفة، لكنه السبيل الوحيد لتجنّب المخاطر الهيكلية.
وفي الأرياف المحيطة بالعاصمة، حيث يُعاد تصميم البنى التحتية والطرق والمنازل، لا تزال هذه المشكلة تُشكّل أحد التحديات التي تُعرقل جهود الإعمار، ما يدفع البعض إلى التفكير في حلول بديلة مثل تحويل تلك الأنفاق إلى وسائل تصريف للمياه أو مخازن مؤقتة بعد دراسة مدى سلامتها، لكن ذلك يحتاج إلى تنفيذ أبحاث هندسية دقيقة.
ويبقى تأثير الأنفاق القديمة في ريف دمشق على جهود إزالة الركام وإعادة الإعمار عاملاً حقيقياً ومادياً يعكس التحديات الكثيرة التي تواجه المنطقة في التحول من حالة الدمار إلى حالة البناء والاستقرار. هذه العقبة الأرضية تحت الأنقاض تُظهر أن الطريق نحو إعادة ريف دمشق إلى ما كان عليه، أو إلى ما يطمح إليه سكانه، لا يقتصر على توفير الموارد أو الأموال فحسب، بل يتطلّب أيضاً فهماً عميقاً للتاريخ الأرضي للمنطقة بعد سنوات الصراع، وجهوداً تقنيةً وصبراً مجتمعياً لتحقيق هذه الغاية على نحو آمن ومستدام.