لكل السوريين

درعا… تاريخ يُنهب بصمت: آثار مهددة بين الإهمال وغياب الحماية

السوري ـ درعا

في جنوب سوريا، تختزن محافظة درعا إرثاً حضارياً عريقاً يعكس تعاقب الحضارات على هذه الأرض، من المعابد القديمة إلى المنشآت الرومانية والقلاع التاريخية. غير أن هذا الإرث، الذي كان يمكن أن يشكّل ركيزة للهوية الثقافية ومصدراً للتنمية السياحية، يواجه اليوم خطراً متزايداً في ظل غياب الحماية الرسمية وتراجع الاهتمام من الجهات المعنية.

في إحدى القرى القريبة من بصرى الشام، يقف أحد السكان متأملاً بقايا معبد روماني عريق، يستعيد ذكريات الطفولة حين كانت تلك الآثار مجرد مساحة للعب. أما اليوم، فيشهد الموقع ذاته عمليات اقتلاع وبيع لأحجاره دون رادع، في ظل غياب أي رقابة حقيقية، ما يعكس واقعاً مقلقاً تعيشه معظم المواقع الأثرية في المنطقة.

ولا يقتصر التهديد على السرقة، بل يمتد إلى الإهمال والتخريب غير المقصود. ففي ريف درعا الغربي، تسببت أعمال حفر عشوائية لأغراض زراعية في إلحاق أضرار جسيمة بقلعة تاريخية، نتيجة غياب التوجيه أو الإشراف المختص. مثل هذه الحوادث تكشف كيف يمكن للممارسات اليومية أن تؤدي إلى خسائر لا تُعوض في التراث الإنساني.

وفي الأسواق المحلية، تظهر أحياناً قطع أثرية صغيرة معروضة للبيع بشكل علني، في مؤشر واضح على انتشار سوق سوداء تغذيها قلة الرقابة وضعف تطبيق القوانين. هذا الواقع يعمّق الفجوة بين النصوص القانونية التي تجرّم هذه الأفعال، وبين الممارسات الفعلية على الأرض.

انعكاسات هذا التدهور لا تقتصر على الجانب الثقافي، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي. فالسياحة الثقافية، التي كان من الممكن أن توفر فرص عمل ودخلاً مستداماً، شهدت تراجعاً ملحوظاً مع تدهور حالة المواقع الأثرية، ما أفقد المنطقة إحدى أهم فرصها التنموية.

كما يبرز جانب آخر من الأزمة يتمثل في ضعف الوعي المجتمعي بأهمية حماية التراث، خاصة لدى الأجيال الناشئة. إذ يكبر كثير من الأطفال وهم يحيطون بالآثار دون إدراك قيمتها، في ظل غياب برامج توعوية وتعليمية تُعزز هذا الوعي منذ الصغر.

في المقابل، تبدو الاستجابة الرسمية محدودة، حيث تفتقر معظم المواقع الأثرية إلى أبسط وسائل الحماية، كالحراسات أو اللافتات التحذيرية، إضافة إلى غياب خطط صيانة منتظمة. هذا الفراغ يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات، ويجعل المواقع عرضة للتدهور المستمر.

ورغم بعض المبادرات المجتمعية التي يقودها شبان محليون للحفاظ على ما تبقى من هذه المواقع، إلا أن تأثيرها يبقى محدوداً في ظل غياب الدعم المؤسسي. فحماية التراث تتطلب جهوداً منظمة واستراتيجيات طويلة الأمد تتجاوز المبادرات الفردية.

في المحصلة، تواجه درعا أزمة حقيقية تهدد إرثها الثقافي والتاريخي. وبين الإهمال والسرقة وضعف الوعي، تتآكل معالم تاريخية لا تُقدر بثمن. إن إنقاذ هذا التراث يتطلب تحركاً جدياً يجمع بين الإرادة الرسمية والمشاركة المجتمعية، قبل أن تتحول هذه الكنوز إلى مجرد ذكرى من الماضي.

- Advertisement -

- Advertisement -