لكل السوريين

صيف السوريين بين البحر والأسعار الملتهبة.. المنتجعات الخاصة تفرض سياحة للأثرياء

ارتفاع رسوم الدخول والخدمات يحرم آلاف العائلات من الاصطياف، فيما تتحول المزارع والمنتجعات إلى خيارات لا يستطيع كثيرون تحمل تكلفتها.

السوري ـ خاص 

مع كل موجة حر تضرب سوريا، تتجه أنظار آلاف العائلات نحو الشواطئ والمزارع والمنتجعات هرباً من درجات الحرارة المرتفعة، إلا أن رحلة البحث عن يوم ترفيهي باتت تصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ، فرضته الزيادات المتتالية في أسعار الخدمات السياحية، لتتحول الإجازة الصيفية بالنسبة لكثير من السوريين إلى رفاهية يصعب الوصول إليها.

وخلال جولة ميدانية أجرتها “صحيفة السوري” على عدد من الشواطئ والمنتجعات في محافظة اللاذقية، بدا واضحاً حجم التباين بين الشواطئ العامة والخاصة، ليس فقط من حيث مستوى الخدمات، وإنما أيضاً في الكلفة التي باتت تشكل عائقاً أمام شريحة واسعة من المواطنين.

ورغم الازدحام الكبير الذي تشهده الشواطئ العامة، فإن ضعف الخدمات وانتشار النفايات وغياب المرافق الأساسية يدفع كثيرين إلى التفكير بالمنتجعات الخاصة، قبل أن يصطدموا برسوم دخول مرتفعة تبدأ في بعض الأماكن من نحو 100 ألف ليرة سورية للشخص الواحد، دون احتساب تكاليف الطعام والمشروبات والمواصلات واستئجار الكراسي أو المظلات.

شباب: يوم واحد يستهلك جزءاً كبيراً من الدخل

وقال عدد من طلاب جامعة اللاذقية، في حديث لـ”صحيفة السوري”، إن الشواطئ العامة أصبحت تعاني اكتظاظاً شديداً، فضلاً عن تراكم النفايات وضعف الخدمات، الأمر الذي يجعل المنتجعات الخاصة الخيار الأكثر راحة، رغم ارتفاع أسعارها.

وأضافوا أن رسم الدخول وحده يصل في بعض المنتجعات إلى نحو 100 ألف ليرة سورية للشخص، بينما ترتفع الكلفة الإجمالية بشكل كبير بعد احتساب بقية النفقات، ما يجعل قضاء يوم واحد على البحر يحتاج إلى ميزانية تفوق قدرة كثير من الطلاب والعائلات.

وأشار أحد الطلاب إلى أن مجموعة من الأصدقاء باتت تضطر إلى جمع الأموال مسبقاً قبل التفكير بأي رحلة، فيما يكتفي آخرون بالجلوس في الحدائق العامة أو البقاء في منازلهم بسبب ضيق الإمكانات المادية.

المزارع… بديل لم يعد اقتصادياً

في المقابل، شهدت المزارع الخاصة خلال السنوات الأخيرة إقبالاً متزايداً باعتبارها بديلاً عن الإقامة في الفنادق أو الشاليهات الساحلية، خاصة مع إمكانية تقاسم تكاليف استئجارها بين أكثر من عائلة أو مجموعة من الأصدقاء.

لكن هذا الخيار لم يسلم بدوره من موجة الغلاء، إذ ارتفعت أجور استئجار المزارع بصورة ملحوظة، مع تفاوت الأسعار بحسب الموقع والخدمات، حيث تبدأ من مئات آلاف الليرات لليوم الواحد، بينما تصل في بعض المناطق إلى ملايين الليرات، أو يجري تسعيرها بالدولار الأمريكي، خصوصاً في المناطق السياحية ذات الإقبال المرتفع.

ويرى مراقبون أن المزارع التي كانت تُصنف سابقاً ضمن الخيارات الأقل كلفة، تحولت اليوم إلى عبء إضافي على ميزانيات الأسر، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية وتكاليف النقل.

تقاسم النفقات… الحل الوحيد

وفي مواجهة هذا الواقع، لجأت كثير من العائلات إلى تغيير أسلوب الاصطياف، إذ أصبح من المعتاد أن تشترك أكثر من عائلة في استئجار مزرعة أو تنظيم رحلة جماعية لتوزيع النفقات.

ويؤكد عدد من المواطنين أن فكرة الرحلات الجماعية لم تعد مرتبطة بالرغبة في التجمع بقدر ما أصبحت ضرورة اقتصادية لتخفيف الأعباء المالية، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

الأسعار ترتفع مع الموسم

ويشير عاملون في القطاع السياحي إلى أن ارتفاع الأسعار خلال الصيف يرتبط بازدياد الطلب على المنتجعات والمزارع، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، من أجور العمال والكهرباء والمياه والصيانة، فضلاً عن الإقبال الكبير الذي تشهده المناطق الساحلية خلال موسم الإجازات وعودة بعض المغتربين.

ويرون أن هذه العوامل تدفع أصحاب المنشآت السياحية إلى رفع الأسعار لتعويض النفقات وتحقيق أرباح خلال موسم قصير يمتد لبضعة أشهر فقط.

أثر اجتماعي يتجاوز السياحة

ولا يقتصر تأثير ارتفاع الأسعار على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، إذ أصبحت فرص الترفيه متفاوتة بين الأسر وفقاً لقدراتها المالية، في وقت يرى مختصون أن الاصطياف لم يعد مجرد نشاط ترفيهي، بل حاجة نفسية واجتماعية تساعد العائلات على تخفيف ضغوط الحياة اليومية.

كما يحذر باحثون اجتماعيون من أن حرمان الأطفال والشباب من الأنشطة الترفيهية بسبب الظروف الاقتصادية قد ينعكس على صحتهم النفسية، ويزيد من الشعور بالإحباط والعزلة، خصوصاً مع محدودية البدائل المجانية أو منخفضة التكلفة.

سياحة مرتبطة بالدخل

ويؤكد المشهد الحالي أن الصيف السوري لم يعد تحدده حرارة الطقس وحدها، بل باتت الأسعار هي العامل الحاسم في اختيار وجهة العطلة، فبين شواطئ عامة تفتقر إلى الخدمات، ومنتجعات خاصة ترتفع رسومها عاماً بعد آخر، تجد آلاف العائلات نفسها أمام خيارات محدودة، تجعل من قضاء يوم على البحر أو في مزرعة قراراً اقتصادياً يحتاج إلى حسابات دقيقة، بعدما كان في الماضي جزءاً طبيعياً من الإجازة الصيفية.

- Advertisement -

- Advertisement -