لبنان بين التهدئة الهشة واحتمالات التصعيد.. الجنوب في قلب اختبار سياسي وأمني
دمار مستمر رغم وقف إطلاق النار.. ومراقبون: نجاح "المناطق التجريبية" مرهون بانسحاب إسرائيلي أوسع وتوافق لبناني داخلي
لا يزال المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات متباينة، في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، وتعثر الوصول إلى تسوية نهائية تنهي تداعيات الحرب الأخيرة. وبينما تتواصل المساعي الدبلوماسية لتثبيت التهدئة، تبقى الوقائع الميدانية مؤشراً على هشاشة الوضع الأمني، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في عدد من البلدات الجنوبية وما تسببه من أضرار جديدة في المنازل والبنية التحتية.
وفي موازاة ذلك، تمضي الحكومة اللبنانية في مسار تفاوضي غير مباشر بوساطة أمريكية، يهدف إلى معالجة الملفات العالقة وتعزيز انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، عبر ما بات يعرف بـ”المناطق التجريبية”، وهي آلية تُطرح باعتبارها خطوة أولى يمكن البناء عليها إذا أثبتت نجاحها على الأرض.
مناطق تجريبية في اختبار الواقع
ترى المحللة السياسية لارا الهاشم أن تطبيق هذه الآلية يجري في ظروف أمنية وسياسية شديدة التعقيد، موضحة أن إحدى المناطق التي بدأ تنفيذ الخطة فيها هي بلدة زوطر الغربية، في حين لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز في زوطر الشرقية المجاورة، الأمر الذي يعكس استمرار التداخل العسكري في بعض النقاط الحدودية.
وتشير إلى أن منطقتين أخريين ضمن المرحلة الأولى، هما فرون والصرفند، لم تكونا خاضعتين لوجود عسكري إسرائيلي مباشر، ما يجعل تطبيق الآلية متفاوتاً من منطقة إلى أخرى، ويثير تساؤلات حول المعايير التي اعتمدت في اختيار هذه المواقع.
وتؤكد الهاشم أن سكان الجنوب لا ينظرون إلى استلام الدولة لهذه المناطق باعتباره إنجازاً كاملاً، في ظل استمرار معاناة عشرات البلدات الحدودية التي تعرضت لدمار واسع، وعدم تمكن آلاف الأهالي من العودة إلى منازلهم أو استئناف حياتهم الطبيعية.
وتضيف أن ما يقارب سبعين بلدة، ولا سيما الواقعة ضمن الشريط الحدودي، تعرضت لأضرار كبيرة، وهو ما يجعل أي تقدم سياسي أو أمني بحاجة إلى أن يترافق مع خطة شاملة لإعادة الإعمار وتأمين العودة الآمنة للسكان.
تباين في المقاربات السياسية
وبحسب الهاشم، فإن الخلاف لا يقتصر على الجوانب الميدانية، بل يمتد إلى رؤية القوى السياسية لكيفية إدارة المرحلة المقبلة.
ففي حين يطالب حزب الله وحركة أمل بانسحاب إسرائيلي كامل وفوري من الأراضي اللبنانية قبل أي ترتيبات أخرى، تعتمد الحكومة اللبنانية مقاربة تدريجية تقوم على توسيع نطاق المناطق التي يتسلمها الجيش اللبناني بالتوازي مع أي انسحاب إسرائيلي، وبما يحافظ على الاستقرار ويمنع تجدد المواجهات.
وترى أن نجاح هذا المسار يتطلب انتقال التجربة إلى مناطق جديدة خلال فترة زمنية معقولة، لأن حصرها في نطاق جغرافي محدود قد يفقدها فعاليتها السياسية ويضعف الثقة بها لدى السكان.
كما تشير إلى أن اختلاف مواقف القوى السياسية بشأن آلية تنفيذ هذه الخطوات يعكس استمرار الانقسام الداخلي حول إدارة الملف الحدودي، وهو ما يضيف تحدياً جديداً أمام جهود الدولة لتثبيت الاستقرار.
بين الحسابات الإسرائيلية والضغوط الداخلية
وتلفت الهاشم إلى أن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، معتبرة أن مواقف الحكومة الإسرائيلية تعكس تمسكها بخيارات أمنية وعسكرية مرتبطة بحسابات داخلية.
وترى أن الضغوط السياسية التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل الاستحقاقات السياسية المقبلة، تمنحه هامشاً أقل لاتخاذ خطوات قد تُفسَّر داخلياً على أنها تنازلات، الأمر الذي يبقي احتمالات التصعيد قائمة، رغم استمرار الجهود الدبلوماسية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وتؤكد الهاشم أن المشهد اللبناني لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال، في ظل تداخل عوامل داخلية وإقليمية يصعب فصلها عن بعضها.
فإلى جانب استمرار الخروقات في الجنوب، يواجه لبنان تحديات داخلية تتعلق بمستقبل السلاح خارج إطار الدولة، ودور الجيش اللبناني في تنفيذ قرارات السلطة السياسية، إضافة إلى مطالب السكان بالعودة إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
وتضيف أن التطورات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقات الإيرانية والإسرائيلية، والتحولات في منطقة الخليج، تبقى عوامل مؤثرة في مسار الأزمة اللبنانية، ما يجعل أي تغيير في الإقليم قابلاً للانعكاس سريعاً على الداخل اللبناني.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية، فيما يبقى نجاح مسار التهدئة مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تثبيت الاتفاقات الميدانية، واستكمال الانسحاب من المناطق الحدودية، وتهيئة الظروف لعودة السكان وإعادة الاستقرار إلى الجنوب.