في محطة جديدة من مسار العلاقات السورية ـ الأميركية، بحث الرئيس السوري أحمد الشرع، الثلاثاء، في نيويورك، مع عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي مستقبل العلاقات الثنائية والأوضاع في سوريا، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية، وذلك بالتزامن مع مشاركة الشرع في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وأكد أعضاء الكونغرس، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية، دعمهم لوحدة سوريا وسيادتها، وجهود إعادة الإعمار والتعافي وتعزيز الاستقرار.
ويأتي اللقاء في سياق تحولات واسعة شهدتها العلاقة بين دمشق وواشنطن خلال الفترة الماضية، بعدما انتقلت من سنوات طويلة من العقوبات والعزلة السياسية إلى مرحلة من التواصل المباشر، باتت فيها الملفات السورية حاضرة على طاولة الإدارة الأميركية والكونغرس معاً. وكان الشرع قد التقى في يوليو/تموز الماضي أعضاء في الكونغرس على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، حيث تناولت المحادثات مستقبل العلاقة بين البلدين، إلى جانب قضايا تتصل بالاستقرار والحوكمة والعقوبات والتعافي الاقتصادي.
ويكتسب لقاء نيويورك أهمية خاصة بسبب الدور الذي يحتفظ به الكونغرس في صياغة أجزاء مهمة من السياسة الأميركية تجاه سوريا، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات والتشريعات والرقابة على السياسة الخارجية. فحتى مع التحولات التي اتخذتها الإدارة الأميركية، يبقى المسار التشريعي عاملاً مؤثراً في تحديد مدى اتساع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، وما إذا كان الانفتاح الحالي سيتحول إلى إطار أكثر استقراراً على المدى الطويل.
وكانت واشنطن قد بدأت منذ عام 2025 سلسلة خطوات لتخفيف القيود المفروضة على سوريا، قبل أن تتوسع عملية رفع العقوبات. وأعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب آنذاك أن تغيير الظروف التي ارتبطت بسياسات النظام السابق أتاح إعادة النظر في العقوبات، مع الإبقاء على إجراءات تستهدف تنظيمات وأفراداً محددين مرتبطين بالإرهاب أو انتهاكات حقوق الإنسان أو تهديد الاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تواجه دمشق مجموعة من الملفات التي تشكل جزءاً من اختبار العلاقة الجديدة مع واشنطن. فإلى جانب إعادة الإعمار والاقتصاد والاستثمار، تبرز قضايا مكافحة تنظيم داعش، ومستقبل العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية، وشكل الدولة السورية ووحدة مؤسساتها، إضافة إلى حماية المكونات المختلفة وتسوية الملفات الأمنية والإقليمية.
وفي هذا السياق، سبق أن شددت السيناتورة الأميركية جين شاهين، خلال لقاء مع الشرع في يوليو/تموز، على أهمية تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، معتبرة أن ذلك يمثل خطوة باتجاه المصالحة الوطنية ووحدة البلاد. كما تحدثت عن أهمية تحقيق تقدم في ملفات الحكم الشامل وحماية المكونات والاستقرار والمساءلة والفرص الاقتصادية.
ولا تبدو العلاقة بين دمشق وواشنطن محكومة بملف واحد، إذ تتقاطع فيها الحسابات السورية المتعلقة بإعادة بناء الدولة والاقتصاد مع أولويات أميركية مرتبطة بالأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم داعش، فضلاً عن موقع سوريا في التوازنات الإقليمية الجديدة.
ومن هذه الزاوية، فإن لقاء الشرع بأعضاء الكونغرس في نيويورك لا يمثل بالضرورة تحولاً منفرداً في السياسة الأميركية، بقدر ما يعكس استمرار مسار بدأ خلال العامين الماضيين نحو إعادة بناء قنوات الاتصال بين الطرفين. ويبقى مدى ترجمة هذا التواصل إلى تعاون طويل الأمد مرتبطاً بقدرة دمشق وواشنطن على إدارة الملفات الخلافية، وتحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية في الاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار.
وتحمل زيارة الشرع إلى نيويورك، في الوقت نفسه، بعداً دبلوماسياً أوسع، إذ يشارك الرئيس السوري في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ويلتقي عدداً من قادة الدول والمسؤولين، في وقت تحاول فيه دمشق تثبيت موقعها في النظام الدولي بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
وبذلك، تبدو العلاقة السورية ـ الأميركية أمام مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة؛ مرحلة لم تعد فيها الاتصالات تقتصر على رفع العقوبات أو المساعدات، وإنما تمتد إلى قضايا بناء الدولة والأمن الإقليمي وإعادة الإعمار. غير أن الانتقال من مرحلة الانفتاح السياسي إلى شراكة مستقرة سيظل مرتبطاً بتطورات الداخل السوري، ومواقف الكونغرس، وتوازنات المنطقة، وقدرة الطرفين على إيجاد أرضية مشتركة للملفات الأكثر حساسية.