لكل السوريين

ترامب بين السعودية والحوثيين.. لماذا أوقف الضربة الأميركية قبل انطلاقها؟

لم يكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء الضربات المقررة ضد الحوثيين في اليمن مجرد تأجيل لعملية عسكرية، بل كشف عن معضلة أوسع تواجه واشنطن في منطقة تتسع فيها جبهات المواجهة وتتداخل فيها حسابات السعودية وإيران والملاحة الدولية.

وبحسب تقرير نشرته «نيويورك تايمز»، كانت الولايات المتحدة قد قطعت شوطاً متقدماً في التحضير للعملية، بعدما أُقرت قوائم الأهداف وبدأ تحميل القنابل على الطائرات المخصصة لتنفيذ الضربات، قبل أن يتراجع ترامب عن القرار. وجاء ذلك بعد أسابيع من التردد أمام مطالب سعودية متكررة بالتدخل لوقف تقدم الحوثيين في اليمن.

ولا يبدو أن المسألة بالنسبة إلى واشنطن تتعلق فقط بقدرتها على تنفيذ ضربات جوية، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها في اليوم التالي. فاستهداف الحوثيين قد يمنح الرياض دعماً عسكرياً مباشراً، لكنه في الوقت نفسه قد يعيد الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة مع جماعة أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تحمل الضربات وإعادة بناء قدراتها.

وتأتي هذه الحسابات في وقت حقق فيه الحوثيون تقدماً ميدانياً على الساحل الغربي لليمن، واقتربوا من مناطق استراتيجية حول باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن. وقد أثار هذا التقدم مخاوف بشأن مستقبل حركة السفن والطاقة، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز.

باب المندب يدخل صلب الحسابات الأميركية

تكمن حساسية التطورات اليمنية في أن المعركة لم تعد محصورة في الجغرافيا اليمنية. فكل تغير في السيطرة على الساحل أو المناطق القريبة من باب المندب يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة، في وقت تواجه فيه أسواق النفط أصلاً تداعيات الحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

وتشير بيانات نقلتها «رويترز» إلى أن السعودية زادت في الفترة الأخيرة جزءاً من صادراتها النفطية عبر مضيق هرمز، بعدما تأثرت حركة الشحن عبر البحر الأحمر، ما يوضح حجم التشابك بين الجبهتين.

ومن هذه الزاوية، يصبح قرار ترامب أكثر تعقيداً. فالسعودية تطلب دعماً أميركياً لوقف التقدم الحوثي، بينما تخشى واشنطن أن يؤدي التدخل إلى تحويل باب المندب إلى ساحة مواجهة أميركية مباشرة، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة منشغلة بالحرب مع إيران.

وتقول تقارير أميركية إن مستشاري ترامب كانوا منقسمين بشأن المشاركة في القتال إلى جانب السعودية، فيما حذر مسؤولون من أن استئناف الضربات قد يدفع الحوثيين إلى إعادة استهداف السفن الأميركية.

تجربة 2025 حاضرة في القرار

ولا تنفصل الحسابات الحالية عن تجربة واشنطن السابقة مع الحوثيين. فقد خاضت إدارة ترامب في عام 2025 حملة عسكرية ضد الجماعة استمرت أسابيع، واستهلكت كميات كبيرة من الذخائر، قبل الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وبحسب «نيويورك تايمز»، أنفقت الولايات المتحدة نحو مليار دولار على الذخائر خلال الشهر الأول من تلك الحملة، بينما تمكن الحوثيون لاحقاً من إعادة بناء جزء كبير من قدراتهم العسكرية. كما أسقطت الجماعة طائرات مسيرة أميركية وواصلت تهديد القطع البحرية في البحر الأحمر.

وتضع هذه التجربة الإدارة الأميركية أمام سؤال صعب: إذا لم تؤد الضربات السابقة إلى إنهاء قدرة الحوثيين، فهل يمكن لعملية جديدة أن تحقق نتيجة مختلفة، أم أنها ستعيد إنتاج المواجهة نفسها مع كلفة أكبر؟

قناة عُمان تمنح واشنطن خياراً آخر

في المقابل، لم تغلق واشنطن الباب أمام المسار الدبلوماسي. فقد عقد مسؤولون أميركيون لقاءات مع ممثلين عن الحوثيين بوساطة عُمانية، وسط مساعٍ للحفاظ على التفاهم الذي أوقف الهجمات الحوثية على السفن الأميركية.

وأفادت تقارير بأن الحوثيين قدموا تطمينات إلى واشنطن بعدم استهداف السفن الأميركية، بينما بقيت المواجهة مع السعودية خارج إطار ذلك التفاهم. وأكد مسؤول حوثي لوكالة «أسوشيتد برس» أن الجماعة لا تستهدف السفن الأميركية، في وقت أشارت فيه تقارير إلى استمرار الاتصالات عبر سلطنة عُمان.

وهذا المسار قد يفسر جانباً من الحذر الأميركي؛ فالضربة لا تعني فقط استهداف مواقع عسكرية، بل قد تنهي عملياً ترتيبات أبقت السفن الأميركية خارج دائرة الهجمات، وتفتح الباب أمام عودة المواجهة المباشرة في البحر الأحمر.

السعودية تطلب التدخل.. وواشنطن تحسب الثمن

بالنسبة إلى الرياض، يرتبط التقدم الحوثي بأكثر من الملف اليمني. فاقتراب الجماعة من باب المندب يضيف ضغطاً على أمن المملكة وطرق تصدير النفط، بينما تواجه السعودية في الوقت نفسه تداعيات الحرب الإقليمية واضطراب طرق الشحن.

لكن واشنطن تنظر إلى الصورة من زاوية مختلفة. فالدخول المباشر إلى اليمن يعني فتح مسار عسكري جديد في حرب إقليمية متعددة الجبهات، وقد يفرض على القوات الأميركية حماية الملاحة ومواجهة الهجمات المضادة، بدلاً من الاكتفاء بدعم الحلفاء بالسلاح والمعلومات.

ولهذا جاء قرار ترامب بعد تردد طويل؛ إذ انتقل خلال أيام من رفض التدخل إلى إعطاء أوامر بالاستعداد للضربة، ثم عاد وأوقف العملية قبل تنفيذها، وفق مسؤولين أميركيين نقلت عنهم وسائل إعلام أميركية.

وفي المحصلة، فإن الضربة التي لم تقع أصبحت بحد ذاتها مؤشراً إلى حجم المعضلة التي تواجه واشنطن في اليمن. فالتدخل قد يحد من قدرة الحوثيين على التقدم، لكنه قد يفتح في المقابل مواجهة جديدة مع جماعة تملك وسائل للرد في البحر والبر، بينما يؤدي عدم التدخل إلى منح السعودية مساحة أقل في مواجهة تقدم الحوثيين.

وبين الخيارين، يبدو أن واشنطن تحاول إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، مع تجنب خطوة عسكرية قد يصعب التراجع عنها لاحقاً. لكن استمرار تقدم الحوثيين باتجاه المناطق القريبة من باب المندب سيبقي السؤال مطروحاً: إلى أي حد تستطيع الولايات المتحدة مراقبة تغير ميزان القوة في اليمن من دون أن تتحول في لحظة ما إلى طرف مباشر في الحرب؟

- Advertisement -

- Advertisement -