مع اتساع حركة التنقلات داخل الجيش السوري خلال الأيام الأولى من آب، عاد ملف إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد، بعد قرارات شملت نقل وإعفاء عدد من قادة الفرق العسكرية، أبرزهم العميد محمد الجاسم المعروف بـ”أبو عمشة”، في خطوة اعتبرها مراقبون اختباراً جديداً لقدرة الحكومة السورية على الانتقال من مرحلة “جيش الفصائل” إلى مؤسسة عسكرية مركزية تخضع لقيادة واحدة.
ورغم أن وزارة الدفاع لم تصدر بياناً يشرح تفاصيل هذه الإجراءات أو أسبابها، فإن حجم التغييرات، بالتزامن مع رفع حالة الجاهزية العسكرية في عدد من القطعات، فتح الباب أمام قراءات متعددة، تراوحت بين اعتبارها استكمالاً لخطة إعادة الهيكلة، وبين ربطها بخلافات داخلية أو بضغوط خارجية تتعلق بمستقبل قادة الفصائل السابقين.
إعادة هيكلة تتجاوز تغيير الأسماء
ليست التنقلات الأخيرة حدثاً منفصلاً، بل تأتي ضمن مشروع أوسع بدأ منذ أكثر من عام لإعادة بناء الجيش السوري بعد سقوط نظام الأسد، إذ انتقلت وزارة الدفاع تدريجياً من نموذج يعتمد عشرات الفرق العسكرية إلى هيكلية قائمة على الفيالق الإقليمية، بهدف تقليص التشعب الإداري وتوحيد القيادة والسيطرة.
وتشير تقديرات باحثين عسكريين إلى أن الهيكلية الجديدة تقوم على توزيع القوات ضمن خمسة فيالق رئيسية تغطي الجنوب والوسط والساحل والشمال والشرق، مع دمج عدد من الفرق والألوية وإعادة توزيع قادتها، بما يحد من استقلالية التشكيلات التي تشكلت سابقاً ضمن الفصائل المسلحة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل أول محاولة فعلية لبناء جيش وطني موحد، إلا أن نجاحها يبقى مرهوناً بقدرة القيادة العسكرية على تجاوز الولاءات السابقة التي ما زالت حاضرة داخل بعض التشكيلات.
أبو عمشة… من قائد فرقة إلى نائب قائد فيلق
حظي قرار إعفاء العميد محمد الجاسم (أبو عمشة) من قيادة الفرقة 62 وتعيينه نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى باهتمام واسع، نظراً لكونه أحد أبرز قادة الفصائل الذين جرى دمجهم في الجيش السوري الجديد.
وتحدثت تقارير إعلامية عن استدعائه إلى دمشق بالتزامن مع استنفار عسكري حول مواقع فرقته، قبل أن تتضارب الروايات بين حديث عن خلاف حول المنصب الجديد، وبين تأكيدات بأن الأمر يندرج ضمن حركة تنقلات شملت عدداً كبيراً من القادة.
وبينما ذهبت بعض المصادر إلى اعتبار المنصب الجديد أقل تأثيراً ميدانياً، يرى آخرون أن قراءة القرار من زاوية شخص واحد لا تعكس حقيقة ما يجري، خصوصاً أن التنقلات شملت أيضاً قادة الفرق 76 و80 و84 وعدداً من القيادات الأخرى.
حكومة أمام اختبار صعب
تسعى الحكومة السورية إلى تقديم إعادة الهيكلة باعتبارها خطوة لتأسيس مؤسسة عسكرية احترافية، إلا أن مراقبين يرون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير المناصب، وإنما في إنهاء شبكات النفوذ التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
فالكثير من القادة الذين انضموا إلى الجيش كانوا يقودون تشكيلات تمتلك امتدادات عشائرية أو اقتصادية أو مناطقية، وهو ما يجعل انتقالهم إلى مؤسسة مركزية عملية معقدة تحتاج إلى أكثر من قرارات إدارية.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً جوهرياً حول قدرة الدولة على فرض مبدأ المؤسسة فوق الأشخاص، في ظل استمرار وجود شخصيات عسكرية تمتلك قواعد نفوذ مستقلة داخل بعض المناطق.
ضغوط خارجية أم قرار سيادي؟
تزامنت التغييرات مع تقارير تحدثت عن مطالبات دولية ومحلية بإبعاد بعض القادة الذين يواجهون اتهامات بانتهاكات حقوقية، بينهم أبو عمشة الذي سبق أن فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات بسبب مزاعم تتعلق بانتهاكات في منطقة عفرين، وهي اتهامات ينفيها بشكل متكرر.
ورغم تداول هذه الروايات، لم يصدر أي تعليق رسمي يؤكد وجود علاقة بين العقوبات الدولية والقرارات الأخيرة، ما يجعل الربط بين الأمرين في إطار التحليلات السياسية أكثر من كونه حقيقة مثبتة.
ومع ذلك، يرى محللون أن الحكومة السورية تدرك أن أي مساعٍ للحصول على دعم دولي أو تعزيز الانفتاح السياسي والاقتصادي ستبقى مرتبطة بقدرتها على بناء مؤسسة عسكرية أكثر انضباطاً وأقل ارتباطاً بالإرث الفصائلي.
الاستنفار العسكري… رسائل متعددة
بالتوازي مع إعادة توزيع القيادات، تحدثت مصادر متقاطعة عن رفع الجاهزية العسكرية إلى مستويات مرتفعة، وإلغاء الإجازات، ومنع تصوير التحركات العسكرية، إضافة إلى نشاط لافت قرب الحدود السورية العراقية.
ورغم عدم صدور تفسير رسمي، فإن بعض الخبراء يرجحون أن يكون الاستنفار جزءاً من اختبارات الجاهزية الطبيعية بعد إعادة تنظيم الجيش، فيما لا يستبعد آخرون ارتباطه بمتابعة التطورات الأمنية على الحدود الشرقية، سواء في مواجهة خلايا تنظيم “داعش” أو تحسباً لأي تطورات إقليمية.
ويبقى غياب الرواية الرسمية سبباً رئيسياً في اتساع دائرة التكهنات، إذ يترك المجال مفتوحاً أمام تفسيرات متباينة لا يمكن الجزم بصحتها.
هل انتهى عصر الفصائل؟
تكشف التطورات الأخيرة أن الحكومة السورية تسير في مسار يهدف إلى إنهاء النموذج الذي نشأ خلال سنوات الحرب، عندما كانت الفصائل تمتلك هياكلها وقياداتها ونفوذها المستقل، إلا أن الطريق نحو جيش موحد لا يزال محفوفاً بالتحديات.
فإعادة توزيع القيادات قد تقلص من نفوذ بعض الشخصيات، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء تأثيرها داخل الوحدات التي كانت تقودها، خاصة إذا لم تترافق مع إصلاحات مؤسساتية تعزز مبدأ الكفاءة والمساءلة والقيادة المهنية.
كما أن نجاح مشروع إعادة الهيكلة سيقاس في المرحلة المقبلة بقدرة وزارة الدفاع على بناء منظومة عسكرية تتجاوز الولاءات الشخصية، وتخضع لسلطة الدولة وحدها، بعيداً عن الانقسامات التي فرضتها سنوات الصراع.