موازنة سوريا تحت ضغط العجز.. الإنفاق يسبق الإيرادات والطريق إلى 2027 أكثر كلفة
عجز بمليار دولار خلال ستة أشهر يضع المالية العامة أمام اختبار صعب.. والإيرادات تنمو بنصف سرعة الإنفاق تقريباً
دخلت المالية العامة السورية مرحلة أكثر تعقيداً مع تسجيل عجز يقارب مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، في وقت حققت فيه الإيرادات العامة ارتفاعاً بنسبة 111 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مقابل قفزة أكبر بكثير في الإنفاق بلغت 331 بالمئة.
وبحسب تقرير وزارة المالية السورية، بلغت الإيرادات العامة نحو 2.7 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، في حين وصل الإنفاق إلى نحو 3.7 مليارات دولار، ما أوجد فجوة مالية تقارب مليار دولار. وتمثل الإيرادات المحققة نحو 31 بالمئة من التقديرات السنوية، مقابل تنفيذ نحو 35 بالمئة من إجمالي النفقات المعتمدة.
الإنفاق يتقدم بثلاثة أضعاف سرعة الإيرادات
المفارقة الأساسية في أرقام النصف الأول لا تكمن في تسجيل العجز بحد ذاته، وإنما في الفارق الكبير بين وتيرة نمو الإيرادات والإنفاق. فبينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 111 بالمئة، قفز الإنفاق بنسبة 331 بالمئة، مدفوعاً بصورة رئيسية بزيادة الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على أولويات حكومية، إلى جانب ارتفاع تكلفة بعض السلع والخدمات ومستلزمات الإنتاج نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الاستيراد.
وتشير بيانات الموازنة إلى أن الحكومة قدرت إيرادات عام 2026 بنحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات تقدر بنحو 10.516 مليارات دولار، أي أن الموازنة نفسها تتضمن عجزاً مخططاً يقارب 1.8 مليار دولار للعام بأكمله. وبالتالي فإن تسجيل نحو مليار دولار خلال ستة أشهر يعني أن جزءاً كبيراً من الفجوة المالية السنوية ظهر بالفعل في النصف الأول من العام.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن العجز النهائي سيكون بالحجم نفسه أو أكبر، إذ تتوقع وزارة المالية ارتفاع الإيرادات خلال النصف الثاني من العام، ولا سيما الإيرادات الضريبية، فيما لم تبدأ إيرادات النفط والغاز بالتحول إلى وزارة المالية إلا في أيار/مايو، ما حدّ من مساهمتها خلال الأشهر الأولى.
الجمارك والنفط.. مصادر إيراد تحت الاختبار
تكشف تركيبة الإيرادات عن اعتماد واضح على مصادر مرتبطة بالنشاط التجاري والموارد العامة. فقد تصدرت الرسوم الجمركية الإيرادات خلال النصف الأول بنحو 1.1 مليار دولار، أي قرابة 40 بالمئة من الإجمالي، تلتها عوائد استثمارات الدولة بنحو 763 مليون دولار، ثم إيرادات النفط والغاز بنحو 601 مليون دولار، بينما بلغت الضرائب والرسوم نحو 252 مليون دولار.
ويضع هذا التركيب المالية العامة أمام سؤال يتعلق بقدرتها على بناء موارد أكثر استقراراً، إذ إن الاعتماد المرتفع على الرسوم الجمركية يمكن أن يرتبط بحجم التجارة والاستيراد، بينما تحتاج الدولة في مرحلة التعافي إلى توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية بدلاً من الاعتماد بصورة كبيرة على مصادر قد تتأثر بتقلبات النشاط الاقتصادي.
فاتورة اجتماعية تتسع
في الاقتصادات الخارجة من سنوات الصراع، لا يمكن النظر إلى الموازنة باعتبارها مجرد جدول للإيرادات والنفقات، إذ إن زيادة الرواتب والدعم والخدمات الأساسية تتحول إلى التزامات مستمرة تحتاج إلى مصادر تمويل مستدامة.
وتظهر أزمة المحروقات الأخيرة مدى حساسية هذا الملف. فقد أدت زيادات أسعار الوقود في أيلول/سبتمبر إلى احتجاجات في مناطق سورية عدة، بعد رفع سعر المازوت بنحو 40 بالمئة وزيادات أخرى طالت البنزين والغاز. وردت الحكومة لاحقاً بتقديم أسعار أقل لبعض أنواع المازوت المخصص للتدفئة والزراعة والقطاعات الإنتاجية.
وتكشف هذه التطورات أن أي محاولة لتقليص الدعم أو رفع الأسعار بهدف تخفيف العبء عن الخزينة لا يمكن فصلها عن القدرة الشرائية للسكان، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والمعيشة. ولذلك تصبح شبكة الحماية الاجتماعية جزءاً من السياسة المالية، وليس بنداً هامشياً فيها.
موازنة 2027 أمام معادلة أصعب
مع اقتراب إعداد موازنة عام 2027، تبدو المهمة الأساسية أمام وزارة المالية مرتبطة بكيفية تحقيق توازن بين تمويل الخدمات والأجور وإعادة الإعمار من جهة، والحفاظ على استقرار المالية العامة من جهة أخرى.
فالاستمرار في زيادة الإنفاق من دون نمو مماثل في الإيرادات يوسع فجوة التمويل، بينما يؤدي خفض الإنفاق بصورة حادة إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية إضافية. وبين الخيارين، تبرز الحاجة إلى زيادة الإيرادات من خلال النشاط الإنتاجي والاستثمار، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين التحصيل، إلى جانب جذب استثمارات خارجية قادرة على تمويل مشاريع التعافي بدلاً من تحميل الخزينة كامل الكلفة.
وتأتي الاجتماعات والملتقيات الاستثمارية في هذا السياق بوصفها محاولة للبحث عن تمويل طويل الأجل لمشروعات البنية التحتية والإنتاج، بما يسمح بتحويل جزء من الإنفاق العام من نفقات استهلاكية إلى استثمارات يمكن أن تولد إيرادات وفرص عمل مستقبلاً.
اختبار ما بعد الحرب
الأرقام المنشورة للنصف الأول من 2026 تقدم صورة مزدوجة للاقتصاد السوري: تحسن ملموس في قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، يقابله توسع أسرع بكثير في الإنفاق. وبينما يمثل ارتفاع الإيرادات خطوة مهمة، فإن استدامة المالية العامة ستتوقف على قدرة الاقتصاد على إنتاج موارد جديدة، وليس فقط على زيادة التحصيل أو رفع الأسعار.
وبذلك تصبح موازنة 2027 اختباراً عملياً لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة العجز إلى إدارة التعافي؛ أي بناء موازنة تستطيع تمويل الأجور والخدمات والحماية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه توجيه الموارد نحو الإنتاج والاستثمار، بحيث لا يبقى تمويل الالتزامات الجديدة معتمداً على موارد مؤقتة أو إجراءات تفرض كلفتها مباشرة على المواطن.