الرقة تزيح التراب عن ذاكرتها.. اكتشاف أثري يفتح باب المدينة العباسية
اكتشاف أثري جديد قرب الجامع العتيق يعيد الأنظار إلى مدينة كانت عاصمة للعباسيين ومركزاً سياسياً وعمرانياً وثقافياً على الفرات
لم تكن أعمال الحفر داخل عقار سكني بالقرب من الجامع العتيق في مدينة الرقة تبحث عن أثر من الماضي، لكن طبقات التراب أخفت مفاجأة أعادت فتح واحدة من أكثر صفحات المدينة أهمية؛ فقد كشفت أعمال التنقيب الطارئ عن أرضية وعناصر معمارية ولقى من الخزف والفخار، تشير المعطيات الأولية إلى ارتباطها بالعصر الإسلامي، مع ترجيح صلتها بالفترة العباسية.
وبحسب دائرة الآثار والمتاحف في الرقة، بدأ التنقيب الطارئ بعد رصد أعمال حفر داخل مقسم سكني، حيث أوقف العمل وأُعطيت الموافقات اللازمة لمباشرة الكشف الأثري. وأظهرت الأعمال الأولية أرضية ذات سمات معمارية يُرجح أنها تعود إلى الفترة العباسية، إلى جانب كسر خزفية وفخارية وبعض العظام البشرية، فيما تحتاج طبيعة الموقع ووظيفته والتسلسل الطبقي لللقى إلى استكمال التنقيب والدراسة قبل الوصول إلى نتائج نهائية.
مدينة بُنيت فوق تاريخها
لا تأتي أهمية الكشف الجديد من عمر الأرضية وحده، وإنما من موقعها في مدينة تختزن تحت عمرانها الحديث طبقات متراكمة من تاريخ طويل.
فالرقة ليست مدينة عباسية المنشأ بالكامل؛ إذ تمتد جذورها إلى فترات أقدم، قبل أن تتغير ملامحها بصورة كبيرة مع قيام مدينة الرافقة العباسية إلى جوار الرقة القديمة. وفي عام 772 ميلادية أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ببناء الرافقة بالقرب من الرقة، وفق مخطط مستوحى من مدينة بغداد، لكن بشكل شبه حدوة حصان بما يتلاءم مع موقعها ونهر الفرات.
وبعد نحو ربع قرن، اختار الخليفة هارون الرشيد الرقة والرافقة مركزاً لإقامته، وبدأت مرحلة جديدة من التوسع العمراني وبناء القصور والمنشآت، خصوصاً في المنطقة الشمالية من المدينتين. وتواصلت أعمال البناء والتطوير لأكثر من عقد، لتتحول المنطقة إلى واحدة من أبرز المراكز السياسية والعمرانية في الدولة العباسية.
وهنا تكمن أهمية أي كشف جديد داخل المدينة الحديثة؛ فالأثر لا يُقرأ باعتباره بقايا بناء منفرد، بل بوصفه جزءاً محتملاً من شبكة عمرانية واسعة كانت تضم القصور والمساجد والأسواق والمنشآت السكنية والخدمية.
الجامع العتيق.. في قلب المشهد العباسي
يقع الكشف الجديد بالقرب من الجامع العتيق، وهي منطقة ذات قيمة استثنائية في خريطة الرقة التاريخية.
فالجامع الكبير، المعروف أيضاً بجامع المنصور أو الجامع العباسي، يمثل أحد أهم الشواهد الباقية على العمارة العباسية الرسمية في سورية. وتشير موسوعة الآثار في سورية إلى أن تأسيسه ارتبط بتأسيس الرافقة سنة 155هـ/771م، وأن الخليفة هارون الرشيد أجرى عليه أعمال ترميم كبيرة في نهاية القرن الثامن الميلادي.
وتشير المصادر الأثرية إلى أن الجامع لم يكن بناءً دينياً معزولاً، بل كان جزءاً من مدينة ذات تخطيط متكامل، ارتبطت فيها العمارة الدينية بالقصور والأسوار والبوابات والمناطق السكنية.
لذلك فإن ظهور أرضية أثرية في محيطه يفتح احتمالاً مهماً لدراسة طبيعة النسيج العمراني الذي كان يحيط بالجامع، وإن كان من المبكر تحديد وظيفة البناء المكتشف قبل انتهاء أعمال التنقيب وتحليل طبقاته ولقى الموقع.
من الأسوار إلى القصور
ما يجعل الرقة حالة استثنائية في دراسة العمارة الإسلامية المبكرة هو بقاء مجموعة من العناصر التي تسمح للباحثين بإعادة تصور جزء من المدينة العباسية.
وتشير اليونسكو إلى أن ما تبقى من الرقة والرافقة العباسية يضم الجامع الكبير، وقصر البنات، وأجزاء من الأسوار، وباب بغداد، إضافة إلى بقايا قصر هارون الرشيد في المناطق الواقعة خارج النسيج العمراني الحديث. كما أن أجزاء من السور الداخلي تمتد على نحو خمسة كيلومترات، وكانت تتوزع عليه أبراج دفاعية منتظمة.
أما قصر هارون الرشيد، فقد كان محوراً لأعمال بحث وتنقيب واسعة نفذها المعهد الألماني للآثار بالتعاون مع دائرة الآثار السورية بين عامي 1982 و1994، وشملت القصر الشرقي والمجمعين الشرقي والشمالي والشمالي الشرقي. وأسهمت تلك الأعمال في تقديم صورة أكثر تفصيلاً عن العمارة والإقامة الملكية في الرقة خلال العصر العباسي المبكر.
كما كشفت أعمال التنقيب السابقة عن مواد متنوعة من الخزف والقطع الصغيرة، وهي مواد تحمل قيمة كبيرة في تحديد الفترات الزمنية وطبيعة النشاط داخل المواقع الأثرية.
الخزف والفخار.. ذاكرة يومية للمدينة
قد تبدو شظايا الفخار والخزف للعين غير المتخصصة مجرد قطع صغيرة متناثرة، لكنها بالنسبة إلى علم الآثار تمثل وثائق مادية يمكن أن تساعد في قراءة الحياة اليومية.
فاللقى الخزفية تستطيع، بعد دراستها ومقارنتها بطبقات ومواقع أخرى، أن تساعد الباحثين على تحديد الفترات الزمنية، وفهم أنماط الاستخدام والتجارة والصناعة، وربما تتبع حركة المنتجات بين المدن والمناطق.
ولهذا فإن أهمية الكشف الجديد لا تتوقف عند العثور على أرضية أو جدار، بل بما قد تكشفه الطبقات المرتبطة به من مواد ولقى تساعد على تحديد تاريخ الموقع ووظيفته وصلته بالمناطق المحيطة.
الرقة.. مدينة لم تكشف كل أسرارها
تؤكد الأعمال الأثرية السابقة أن الرقة كانت منذ عقود طويلة ميداناً مهماً لدراسة بدايات العمارة الإسلامية والعباسية. فقد عمل المعهد الألماني للآثار في المدينة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بينما شملت مشاريع أخرى مواقع مثل تل البيعة ومناطق الإنتاج الصناعي القديمة بين الرقتين، حيث دُرست صناعة الفخار والزجاج.
وتصف اليونسكو موقع الرقة–الرافقة بأنه من المواقع الاستثنائية لفهم التحولات العمرانية والمعمارية والفنية في العقود الأولى من العصر العباسي، بسبب ما تبقى فيه من عمائر ولقى أثرية تعكس تنوع التأثيرات الثقافية والفنية التي مرت عبر المدينة.
ومن هنا، فإن الكشف الجديد بالقرب من الجامع العتيق لا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثة منفصلة؛ فقد يكون جزءاً من طبقة عمرانية أوسع ما زالت مدفونة تحت أجزاء من المدينة الحالية.
بين البناء الحديث والمدينة القديمة
تطرح الاكتشافات العرضية داخل الرقة سؤالاً أكبر من حدود موقع التنقيب نفسه: كم من المدينة العباسية ما زال قائماً تحت المدينة الحديثة؟
فالتوسع العمراني خلال العقود الماضية جعل أجزاء من النسيج الأثري محاطة بالمباني والشوارع والمنازل، وهو ما يجعل أعمال التنقيب المنهجي أكثر صعوبة، ويزيد في المقابل من أهمية التنقيب الطارئ عند ظهور مؤشرات أثرية أثناء أعمال البناء.
وتوضح التجارب السابقة أن الموقع الأثري قد يحتاج إلى سنوات من البحث وليس إلى عملية كشف سريعة؛ فالأرضية وحدها لا تروي القصة كاملة، وإنما تتكامل الحكاية من خلال الطبقات التي تقع فوقها وتحتها، واللقى التي ترافقها، والعلاقة بين المبنى المكتشف وما يحيط به.
التراب الذي يحفظ ذاكرة الرقة
منذ تأسيس الرافقة العباسية، مروراً بفترة هارون الرشيد، وصولاً إلى ما بقي من الأسوار والجامع والقصور، تبدو الرقة أشبه بكتاب تاريخي لم تُقرأ جميع صفحاته بعد.
والاكتشاف الأخير بالقرب من الجامع العتيق يعيد هذه الحقيقة إلى الواجهة. فكل طبقة جديدة تظهر تحت المدينة يمكن أن تضيف تفصيلاً إلى صورة مدينة كانت ذات يوم في قلب المشهد السياسي والثقافي للعالم الإسلامي.
ولذلك فإن قيمة الكشف لا تكمن فقط في الأرضية التي ظهرت بعد إزالة التراب، بل في السؤال الذي تتركه خلفها: إذا كانت حفرة في عقار سكني استطاعت أن تكشف جزءاً من تاريخ الرقة العباسي، فكم من صفحات ذلك التاريخ لا تزال تنتظر من يزيح عنها التراب؟