لكل السوريين

العصا تعود إلى المدرسة؟” .. جدل سوري بين هيبة المعلم وكرامة الطالب

أعادت مداخلة لأحد أعضاء مجلس الشعب السوري حول إمكانية السماح باستخدام الضرب كوسيلة لتأديب الطلاب، ملف العقاب الجسدي داخل المدارس إلى واجهة النقاش العام، وأشعلت سجالاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي بين من يرى في المقترح وسيلة لاستعادة الانضباط وهيبة المعلم، ومن يعتبره عودة إلى أساليب تربوية تجاوزها الزمن وتتناقض مع حماية الطفل وكرامته.

وجاءت المداخلة خلال جلسة استماع لوزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو أمام مجلس الشعب، خُصصت لمناقشة واقع التعليم في سوريا والتحديات التي تواجه المدارس والمعلمين والطلاب. وخلال الجلسة، دعا أحد أعضاء المجلس إلى إعادة النظر في المنع الكامل للعقاب الجسدي، مقترحاً السماح به ضمن ضوابط محددة، ومستنداً في حديثه إلى رؤية دينية وتربوية للعقاب.

لكن الطرح لم يمر بهدوء، إذ سرعان ما انتقل من قاعة المجلس إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين مؤيدين رأوا أن واقع المدارس يشهد تراجعاً في الانضباط، وتزايداً في المشكلات بين الطلاب وبعض المعلمين، وبين رافضين اعتبروا أن معالجة هذه المشكلات لا يمكن أن تكون بالعنف الجسدي.

بين «هيبة المعلم» وكرامة الطالب

أنصار إعادة العقاب الجسدي ينطلقون أساساً من مشكلة تبدو حاضرة في كثير من النقاشات الاجتماعية السورية: كيف يمكن للمعلم أن يفرض الانضباط داخل الصف في ظل تراجع سلطته التربوية وظهور حالات من الاعتداء اللفظي أو الجسدي على الكادر التعليمي؟

وخلال المداخلة البرلمانية، أشار العضو إلى أن بعض المعلمين باتوا يخشون الدخول في صدامات مع الطلاب أو الأهالي، معتبراً أن منع الضرب بصورة مطلقة أدى، بحسب رأيه، إلى مشكلات داخل البيئة التعليمية. وفي المقابل، لم يرَ رافضو المقترح في هذه المشكلات مبرراً لإعادة العقوبة الجسدية، بل طالبوا بالبحث عن أسبابها ووسائل أخرى لمعالجتها.

أما وزير التربية والتعليم، فكان موقفه واضحاً في رفض استخدام الضرب داخل المدارس، مؤكداً أن الوزارة ترفضه من الناحيتين العلمية والأخلاقية، وأن العملية التعليمية ينبغي أن تعتمد وسائل تربوية تحفظ كرامة الطالب والمعلم معاً. كما وصف اللجوء إلى الضرب بأنه مؤشر على غياب الوسائل التربوية البديلة.

لماذا تحوّل النقاش إلى قضية اجتماعية؟

الجدل الذي أثارته المداخلة يتجاوز مسألة السماح بالضرب من عدمه، ليطرح سؤالاً أوسع حول شكل المدرسة السورية التي يريدها المجتمع بعد سنوات طويلة من الأزمات والتغيرات.

فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فحسب، وإنما بيئة يتعلم فيها الطفل أيضاً كيفية التعامل مع الاختلاف، واحترام الآخر، وتحمل المسؤولية، وحل النزاعات. ومن هنا يرى رافضو العقاب الجسدي أن إدخال العنف في العملية التعليمية قد يحول العلاقة بين المعلم والطالب من علاقة تربوية إلى علاقة قائمة على الخوف.

في المقابل، يرى مؤيدون أن الحديث عن حقوق الطالب يجب ألا يأتي على حساب حقوق المعلم، وأن حماية الكادر التعليمي من الاعتداء والإهانة تمثل جزءاً أساسياً من إصلاح المدرسة، خصوصاً في ظل شكاوى متزايدة حول ضعف الانضباط داخل بعض الصفوف.

المشكلة أكبر من «العصا»

وبعيداً عن الجدل حول العقاب الجسدي، تكشف هذه القضية عن أزمة أعمق في قطاع التعليم السوري، تتعلق بمكانة المعلم، وحجم الصفوف، والرواتب، والمناهج، والبنية المدرسية، والتسرب، والعلاقة بين المدرسة والأسرة.

ولهذا فإن إعادة النقاش إلى سؤال «هل نضرب الطالب أم لا؟» قد تختزل أزمة تربوية واجتماعية أكبر من ذلك بكثير. فالمعلم الذي يواجه صفاً مكتظاً، وموارد محدودة، وضغوطاً معيشية كبيرة، يحتاج إلى أدوات تربوية وقانونية واضحة تحميه وتساعده على أداء دوره، كما يحتاج الطالب إلى بيئة تعليمية يشعر فيها بالأمان والاحترام.

وبين الطرفين، تبدو الأسرة شريكاً أساسياً في المعادلة، إذ لا يمكن للمدرسة وحدها أن تتحمل مسؤولية ضبط سلوك الأطفال، كما لا يمكن تحميل المعلم وحده مسؤولية معالجة مشكلات قد تكون جذورها في المنزل أو المجتمع أو الظروف الاقتصادية والنفسية المحيطة بالطلاب.

مدرسة بلا عنف.. ومعلم بلا خوف

أعاد الجدل السوري الحالي طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن استعادة هيبة المعلم من دون استخدام العنف؟

الإجابة لا تبدو مرتبطة بالعصا وحدها، بقدر ارتباطها بقدرة النظام التعليمي على بناء علاقة متوازنة بين الطالب والمعلم، يكون فيها للمعلم سلطة تربوية واضحة، وللطالب حق في الاحترام والحماية، وللأسرة دور في دعم المدرسة.

وبين مؤيد يرى في العقاب الجسدي وسيلة للانضباط، ورافض يعتبره انتكاسة تربوية، يبقى التحدي الأكبر أمام التعليم السوري هو الوصول إلى نموذج يعيد للمدرسة دورها، وللمعلم مكانته، وللطالب شعوره بالأمان، من دون أن تتحول العملية التعليمية إلى مساحة للخوف والعقاب.

وفي الوقت الراهن، لا تشير المواقف المنشورة عن جلسة مجلس الشعب إلى إقرار إعادة الضرب في المدارس، بل إن وزير التربية أعلن رفضه استخدام أي نوع من الضرب، بينما وصف رئيس مجلس الشعب القضية بأنها مرتبطة بالفلسفة التربوية للمنظومة التعليمية بأكملها.

- Advertisement -

- Advertisement -