دمشق/ مرجانة إسماعيل
في شوارع دمشق المزدحمة التي تضيق بأنفاس المارة وصوت المحركات، ووسط زحمة الشاحنات والمارة وباعة الأرصفة، يمكن أن ترى جيشاً من الدراجات النارية الصغيرة يتنقل بسرعة بين الأزقة والحارات، يحمل كلٌّ منها صندوقاً لامعاً على ظهره كعلامة تجارية لحلمٍ جديد اسمه “الدليفري”. هذه الظاهرة التي اجتاحت العاصمة لم تعد مجرد مهنة طارئة، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي لمدينة تتغير ملامحها تحت ضغط التكنولوجيا والبطالة والغلاء.
رامي، شاب في الثانية والأربعين، يعمل في توصيل الطلبات منذ ست سنوات، يعرف شوارع دمشق كما يعرف كف يده. “الناس تظن أن مهمتنا سهلة، مجرد نقل وجبة أو طرد صغير، لكنها سباق مع الوقت والمخاطر”، يقول مبتسماً بينما يمسح العرق عن جبينه. يروي أنه كثيراً ما اضطر للالتفاف حول أحياء كاملة بسبب حفرة ظهرت فجأة أو شارع أغلق دون سابق إنذار. “طلب ممكن يوصل بخمس دقايق، بيكلفني نص ساعة وكم شتيمة من السائقين”، يضيف ضاحكاً بحسرة.
في الجهة المقابلة، يقف أحمد، طالب جامعي يعمل في التوصيل الجزئي ليساعد نفسه في مصاريف الدراسة. يروي بحزن حادثة احتيال تعرض لها قبل أشهر: “وصلني طلب من زبون جديد، دفعت قيمته من جيبي، أربعمية ألف، ولما وصلت للعنوان أغلق موبايله واختفى، لا عنوان ولا اسم حقيقي، وخسرت راتب أسبوع”. يضحك بمرارة: “صرت أخاف من الطلبات الجديدة أكتر من حفر الشوارع”.
مدير إحدى شركات التوصيل في دمشق، المهندس مراد الحموي، يصف المهنة بأنها “مغامرة يومية في مدينة مزدحمة ومتشعبة”. يقول: “الكابتن اليوم ليس مجرد سائق، بل بطل ميداني يتعامل مع الزحام، والمخاطر الأمنية، والحفر، وحتى المزاج العام”. يضيف أن الشركة لا تَعِد عملاءها بسرعة خيالية، لأن الشوارع نفسها غير قابلة للتنبؤ. “نقول للزبون الطلب بيحتاج ساعة، مو لأننا بطيئين، بل لأن الطريق نفسه يقرر عنّا”.
لكن خلف هذا المشهد اليومي المرهق، تكمن مشكلات أعقد. الحموي يكشف أن أكثر من تسعين بالمئة من تأخيرات الطلبات سببها توقيف الكابتن من قبل دوريات لأسباب غير واضحة. “حتى لو أبرز كل أوراقه، ممكن يوقفوه نص ساعة، وهذا يعني خسارة للشركة وللعميل وللكابتن نفسه.” ويصف مصادرة الدراجات بأنها “الضربة القاصمة”، فالدراجة التي يشتريها العامل بثلاثمئة أو أربعمئة دولار تُصادر بحجة الإزعاج، ليجد نفسه مجبراً على شراء أخرى. “إما أن تُنظَّم المهنة أو تُمنع بوضوح، أما أن يُعاقب الفقير وحده، فهذه مأساة.”
الإنترنت، الذي يُفترض أنه العمود الفقري للعمل الرقمي، أصبح هو الآخر خصماً لا شريكاً. “تحسن وضع الكهرباء قليلاً، لكن الإنترنت صار أسوأ”، يقول الحموي، مضيفاً أن الشركات تضطر لاستخدام شرائح اتصال متعددة وأنظمة احتياطية مكلفة لضمان استمرار الطلبات. “انقطاع الشبكة لخمس دقائق يعني عشرات الطلبات المعلقة وخسائر لا تُحصى.”
في مقابل هذه التحديات، يشهد القطاع تحولاً تجارياً لافتاً. فقد تجاوزت الطلبات القادمة من المشاريع المنزلية والصفحات الصغيرة على إنستغرام الطلبات التقليدية من المطاعم والمتاجر الكبرى. “الناس صارت تشتري من سيدات يعملن من بيوتهن أكثر مما تشتري من المحلات”، يقول الحموي، مشيراً إلى أنّ هذا الاتجاه الجديد غيّر خريطة الطلبات في العاصمة، وخلق فرصاً اقتصادية حقيقية رغم ضيق الحال.
لكن الواقع الميداني لا يخلو من المخاطر الصحية والتنظيمية. عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، يحذر من “منظومة فوضوية” تهدد صحة المواطنين، إذ تُنقل الوجبات في صناديق تفتقر لأدنى معايير السلامة، حيث تختلط الأطعمة الساخنة بالمواد التي تحتاج تبريداً. “الكثير من العاملين لا يحملون شهادات صحية، وبعضهم يعمل لحسابه الخاص دون أي إشراف، إنها وصفة مثالية للتسمم الغذائي.” ويطالب بوضع ضوابط صارمة تشمل تسعيرة واضحة، وتجهيز الدراجات بصناديق مخصصة تحفظ الحرارة، وإجراء فحوص طبية دورية للعاملين.