أعاد توقيع مذكرتي تفاهم بين سوريا والعراق وائتلاف شركات دولية لإعادة تأهيل خط نقل النفط كركوك – بانياس فتح النقاش حول مستقبل أحد أبرز مشاريع الطاقة في المنطقة، وسط تقديرات بأنه قد يغير مسارات تصدير النفط الإقليمي إذا نجح في تجاوز التحديات الأمنية والتمويلية التي رافقته منذ توقفه قبل أكثر من عقدين.
وجرى توقيع الاتفاق في العاصمة الأمريكية واشنطن، بحضور ممثلين عن الجانبين السوري والعراقي وائتلاف من الشركات الدولية، فيما أعلنت وزارة الطاقة السورية أن أعمال إعادة التأهيل تستهدف رفع الطاقة التشغيلية للخط إلى نحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن المشروع يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر، إذ يرتبط بإعادة تشكيل شبكة نقل الطاقة في المشرق العربي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مسارات تصدير بديلة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.
عوائد اقتصادية محتملة
يقول المحاضر في كلية الاقتصاد بجامعة غازي عنتاب، صلاح الدين الجاسم، إن تشغيل الخط بطاقته القصوى قد يوفر لسوريا إيرادات سنوية من رسوم العبور تتراوح بين 150 و200 مليون دولار.
وأضاف في حديثه لـ”صحيفة السوري” أن أهمية المشروع لا تقتصر على رسوم العبور، بل تمتد إلى تأمين إمدادات من النفط الخام العراقي لمصفاة بانياس، بما قد يسهم في زيادة كميات النفط المتاحة للتكرير، إلى جانب توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مراحل إعادة التأهيل والتشغيل، فضلاً عن تشجيع استثمارات جديدة في قطاع الطاقة والخدمات المرتبطة به.
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور زياد عربش، أن المشروع يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لاستثمارات أوسع في قطاع التكرير، إذا ترافق مع إنشاء أو تطوير منشآت صناعية على الساحل السوري، بما ينعكس على الصناعات المرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية والنقل وقطاع البناء.
ويشير عربش إلى أن أي عائدات مستقبلية قد تتيح تمويل مشاريع لتطوير الموانئ والبنية التحتية، وهي عناصر يعتبرها أساسية لتعزيز حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
أبعاد تتجاوز الاقتصاد السوري
لا يقتصر الاهتمام بالمشروع على سوريا والعراق، إذ ترى الباحثة في مركز صوفان للحوار الاستراتيجي، كارولين روز، أن إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس تندرج ضمن مساعي دولية للبحث عن مسارات بديلة لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز، الذي يبقى عرضة للتوترات الأمنية والتجاذبات الإقليمية.
وتوضح روز أن وجود منفذ إضافي على البحر المتوسط يمنح العراق خيارات أوسع لتصدير نفطه، ويقلل من اعتماده على المسارات التقليدية، وهو ما قد ينعكس أيضاً على أسواق الطاقة الدولية في حال دخول الخط الخدمة بكامل طاقته.
ويتفق عربش مع هذا الطرح، معتبراً أن المشروع يمنح العراق منفذاً استراتيجياً إضافياً لصادراته النفطية، بما يخفف من تأثير أي اضطرابات قد تطال حركة الملاحة في الخليج.
تحديات أمنية معقدة
ورغم ما يحمله المشروع من فرص، يجمع الخبراء على أن الملف الأمني يبقى التحدي الأكبر أمام إعادة تشغيل الخط.
وتشير كارولين روز إلى أن أجزاء واسعة من مسار الأنبوب تمر عبر مناطق في غرب العراق وشرق سوريا شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً لتنظيمات مسلحة، الأمر الذي يفرض تحديات كبيرة تتعلق بحماية البنية التحتية وتأمين استمرارية التشغيل.
كما يحذر عربش من مخاطر استهداف الخط أو تعرضه لأعمال تخريب، لافتاً إلى أن نجاح المشروع يرتبط بوجود بيئة أمنية مستقرة على امتداد مساره.
بدوره، يرى الجاسم أن المشروع قد يواجه أيضاً اعتراضات من بعض القوى المسلحة داخل العراق، باعتباره منافساً لمسارات تصدير أخرى، وهو ما قد يزيد من تكاليف التأمين ويرفع مستوى المخاطر الاستثمارية.
التمويل… العقبة الأكثر تعقيداً
إلى جانب الاعتبارات الأمنية، يبرز التمويل بوصفه أحد أكبر التحديات.
ويقدّر عربش كلفة إعادة تأهيل الخط بما يتراوح بين ستة وثمانية مليارات دولار، في ظل الحاجة إلى استبدال أجزاء واسعة من البنية التحتية التي بقيت خارج الخدمة منذ عام 2003.
وتلفت روز إلى أن المشروع، رغم اهتمام عدد من الشركات الدولية به، لا يزال بحاجة إلى استثمارات أجنبية كبيرة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مشيرة إلى أن نجاحه سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف المعنية على توفير التمويل وضمان استقرار البيئة الاستثمارية.
حسابات إقليمية ودولية
ويرى الجاسم أن المشروع يتحرك ضمن بيئة جيوسياسية معقدة، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية في ملف الطاقة.
ويقول إن الولايات المتحدة تنظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من مسار أوسع للتقارب الاقتصادي بين بغداد ودمشق، بينما تراقب أطراف إقليمية أخرى انعكاساته على شبكات نقل النفط القائمة، ولا سيما تلك المرتبطة بالموانئ التركية أو بمسارات التصدير عبر الخليج.
في المقابل، يعتبر عربش أن إعادة تشغيل الخط قد تمثل بداية لمشاريع إقليمية أخرى في قطاع الطاقة، سواء في مجال النفط أو الغاز، إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية اللازمة.
بين الطموح والواقع
يمثل خط كركوك – بانياس واحداً من أكبر مشاريع الطاقة المطروحة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن انتقاله من مرحلة الاتفاقات إلى التنفيذ سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على معالجة ملفات الأمن والتمويل، إلى جانب توفير بيئة استثمارية مستقرة.
وبينما يرى مؤيدو المشروع أنه قد يعيد تنشيط أحد أهم خطوط نقل النفط في شرق المتوسط، يؤكد خبراء أن نجاحه لن يقاس بحجم الاتفاقات الموقعة، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ والاستدامة في منطقة ما تزال تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة.