لكل السوريين

المسبحة السورية بين ذاكرة الحرفة وضغط السوق.. مهنة قديمة تبحث عن طريق جديد

من ورش حلب ودمشق إلى المتاجر الإلكترونية.. ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية يغيران خريطة تجارة المسبحات ويهددان اندثار بعض الحرف المرتبطة بها

لم تعد المسبحة في الأسواق السورية مجرد قطعة صغيرة تتدلى من واجهة متجر قديم، بل أصبحت شاهداً على تحولات اقتصادية واجتماعية رافقت السوريين خلال عقود طويلة. فمن المسابح المصنوعة يدوياً في ورش حلب، إلى القطع النادرة التي يحتفظ بها الجامعون، وصولاً إلى صفحات البيع على مواقع التواصل الاجتماعي، قطعت هذه الحرفة طريقاً طويلاً من الأسواق الشعبية إلى الاقتصاد الرقمي.

لكن هذا الطريق لم يكن سهلاً

فارتفاع أسعار المواد الخام، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، إلى جانب تقلص عدد الحرفيين المتخصصين، كلها عوامل دفعت تجارة المسبحات إلى البحث عن زبون جديد وأساليب بيع مختلفة، في وقت لم تعد فيه الأسواق التقليدية قادرة على ضمان الحركة التجارية التي عرفتها في السابق.

سلعة صغيرة.. سوق واسع

تحتفظ المسبحة بمكانة خاصة في الثقافة الشعبية السورية، إذ ارتبطت لسنوات طويلة بالعبادة والعادات اليومية، قبل أن تتحول لدى فئات أخرى إلى قطعة شخصية أو هدية أو حتى مقتنى له قيمة مادية.

وتختلف قيمة المسبحة بصورة كبيرة تبعاً للمادة المصنوعة منها وعمرها وطريقة تصنيعها ودقة العمل فيها، فضلاً عن ندرة الخامة وتاريخ القطعة.

وبينما يمكن أن تكون المسبحة منتجاً بسيطاً في متناول شريحة واسعة من المستهلكين، فإن بعض القطع القديمة والنادرة تدخل في سوق مختلف تماماً، يشبه إلى حد ما أسواق التحف والمقتنيات القديمة.

وهنا يصبح السعر مرتبطاً بمدى ندرة القطعة وليس بحجمها.

الأزمة الاقتصادية تغيّر عادات الشراء

يواجه تجار المسبحات مشكلة تتقاطع مع معظم الأسواق السورية: تراجع القدرة الشرائية.

فالمستهلك الذي كان قادراً في السابق على شراء مسبحة جيدة بين فترة وأخرى، بات اليوم أكثر ميلاً إلى البحث عن المنتجات الأقل تكلفة، فيما أصبح شراء القطع الفاخرة مقتصراً على فئة محدودة من الهواة والجامعين.

ويقول عاملون في السوق إن الفارق بين المسبحة العادية والقطعة النادرة قد يصل إلى أضعاف كبيرة، تبعاً للخامة والعمر والحالة وجودة التصنيع.

هذا التفاوت جعل سوق المسبحات ينقسم عملياً إلى مستويين؛ الأول يعتمد على الطلب الشعبي والهدايا والاستخدام اليومي، والثاني يقوم على المقتنيات النادرة والقطع القديمة التي يبحث عنها هواة الجمع.

حلب.. حكاية صناعة تتراجع

ترتبط صناعة المسبحات في سوريا بصورة وثيقة بمدينة حلب، التي عرفت على مدى عقود بورشها وحرفييها المتخصصين.

وكانت الورش الحلبية تنتج أنواعاً متعددة من المسبحات، بعضها موجه للأسواق المحلية، وبعضها الآخر للأسواق العربية، مستفيدة من خبرات يدوية تراكمت وانتقلت بين الأجيال.

لكن الحرب تركت آثاراً عميقة على هذه الصناعة، كما فعلت مع عدد كبير من الحرف السورية.

فقد أغلقت بعض الورش أبوابها، وتضررت أخرى، فيما غادر حرفيون البلاد أو نقلوا أعمالهم إلى دول مجاورة، الأمر الذي أدى إلى تراجع عدد العاملين في هذه المهنة داخل سوريا.

ولا تكمن المشكلة فقط في خسارة ورشة أو متجر، بل في خطر فقدان المعرفة المهنية نفسها، خصوصاً أن جزءاً من هذه الصناعة يعتمد على مهارات يدوية يصعب تعويضها بالتكنولوجيا.

عندما يصبح الحرفي عملة نادرة

تحتاج صناعة بعض أنواع المسبحات إلى مهارة خاصة في اختيار المادة وتقطيعها وتشكيلها وثقبها وتلميعها.

وقد تستغرق صناعة القطعة الواحدة وقتاً طويلاً، بحسب نوع الخامة ودقة العمل المطلوبة.

ومع تقدم العمر لدى عدد من الحرفيين وعدم دخول أعداد كافية من الشباب إلى المهنة، تبرز مخاوف من فقدان الخبرات التقليدية التي ظلت تنتقل من جيل إلى آخر.

وتواجه الحرف اليدوية السورية عموماً مشكلة مشابهة، إذ يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات مهنية أخرى توفر دخلاً أسرع أو أكثر استقراراً، بينما تتطلب الحرفة سنوات من التدريب قبل الوصول إلى مستوى يسمح بتحقيق دخل جيد.

وهكذا، لا يواجه سوق المسبحات أزمة بيع فقط، بل يواجه أيضاً أزمة استمرارية المهنة.

من سوق الحميدية إلى شاشة الهاتف

في المقابل، بدأت تجارة المسبحات تتكيف مع العصر الرقمي.

فبدلاً من انتظار الزبون أمام واجهة المتجر، أصبح بإمكان التاجر تصوير القطعة وعرضها عبر صفحات التواصل الاجتماعي وإرسالها إلى زبون في محافظة أخرى أو خارج سوريا.

هذا التحول فتح باباً جديداً أمام التجار والحرفيين، خصوصاً في سوق المقتنيات النادرة، حيث يستطيع البائع الوصول إلى شريحة صغيرة لكنها أكثر اهتماماً بالمنتج.

كما سمحت المنصات الرقمية لهواة الجمع بالتعرف على أنواع وخامات لم تكن متاحة بسهولة أمامهم في الأسواق التقليدية.

لكن التجارة الإلكترونية لم تحل جميع المشكلات.

فارتفاع كلفة الشحن، ومخاطر نقل القطع الثمينة، وصعوبة التأكد من أصالة بعض المنتجات عن بعد، إضافة إلى القدرة المحدودة على الدفع، كلها عوامل ما تزال تحد من نمو التجارة الإلكترونية في هذا المجال.

بين الأصلي والمقلد.. مشكلة الثقة

كلما ارتفعت قيمة المسبحة، ازدادت أهمية معرفة مصدرها ونوع خامتها وعمرها.

وهنا تظهر مشكلة التقليد، إذ يمكن لبعض القطع المصنوعة من مواد صناعية أن تشبه في شكلها منتجات طبيعية أو قديمة، ما يجعل المشتري بحاجة إلى خبرة كبيرة أو إلى رأي متخصص.

ويؤكد عاملون في السوق أن معرفة المسبحة الأصلية ليست مسألة شكل فقط، بل تحتاج إلى خبرة في الخامة والوزن والرائحة والملمس وطريقة التصنيع، وفي بعض الحالات إلى فحوص أكثر تخصصاً.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع انتقال البيع إلى الإنترنت، حيث لا يستطيع المشتري لمس القطعة أو فحصها قبل إتمام الصفقة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مزيد من التنظيم في سوق المقتنيات، ووضع آليات واضحة لحماية المستهلك ومنع الغش، خصوصاً عندما تصل قيمة بعض القطع إلى مبالغ كبيرة.

المسبحة كاستثمار.. سوق مختلف

لا ينظر جميع المشترين إلى المسبحة باعتبارها أداة للاستخدام اليومي.

فبالنسبة لبعض الجامعين، يمكن أن تكون القطعة النادرة جزءاً من مجموعة خاصة أو مقتنى يحمل قيمة تاريخية، فيما ينظر آخرون إلى بعض الأنواع باعتبارها استثماراً يمكن أن ترتفع قيمته مع مرور الوقت.

لكن هذا النوع من الاستثمار يحمل مخاطر أيضاً، لأن قيمة المقتنيات القديمة تعتمد على الندرة والطلب وحالة القطعة ومدى ثقة السوق بمصدرها وأصالتها.

ولهذا، لا يمكن التعامل مع المسبحات النادرة باعتبارها استثماراً مضموناً، بل كسوق متخصصة تحتاج إلى خبرة ومعرفة واسعة.

الشباب يعيدون تعريف المسبحة

رغم ارتباط المسبحة في الذاكرة الشعبية بكبار السن، بدأت بعض القطع تجد طريقها إلى الشباب من زاوية مختلفة.

فالمسبحة بالنسبة إلى بعضهم أصبحت جزءاً من المظهر الشخصي، أو قطعة تراثية، أو وسيلة للتعبير عن الذوق، خصوصاً مع انتشار أنواع ذات تصاميم مختلفة وخامات متنوعة.

وساعدت مواقع التواصل الاجتماعي في هذا التحول، إذ باتت صور المسبحات النادرة والتصاميم الجديدة تصل إلى جمهور لم يكن يتردد على الأسواق التقليدية.

لكن هذا الاهتمام الجديد لا يزال محدوداً مقارنة بالطلب التقليدي، ولا يكفي وحده لإنقاذ المهنة من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها.

هل تنقذ التكنولوجيا حرفة تقليدية؟

قد يبدو انتقال تجارة المسبحات إلى الإنترنت مجرد تغيير في طريقة البيع، لكنه في الواقع قد يكون فرصة لإعادة تعريف السوق بالكامل.

فالحرفي الذي كان يعتمد على متجر صغير يمكنه اليوم الوصول إلى مشترين في مدن ودول مختلفة، بينما يستطيع الشاب الذي يتعلم صناعة المسبحات أن يوثق مراحل عمله ويعرض منتجاته لجمهور أوسع.

لكن الاستفادة من هذه الفرصة تحتاج إلى أكثر من إنشاء صفحة على مواقع التواصل.

فالمهنة تحتاج إلى تدريب الجيل الجديد، وتوثيق طرق التصنيع التقليدية، ودعم الورش الصغيرة، وربط الحرفيين بالأسواق، إلى جانب حماية المنتجات السورية الأصيلة من التقليد.

مهنة تحتاج إلى من يحميها

تجارة المسبحات ليست من القطاعات الاقتصادية الكبرى، لكنها تمثل جزءاً من الذاكرة الحرفية والاجتماعية السورية.

والمشكلة التي تواجهها اليوم لا تتعلق بانخفاض المبيعات فقط، بل بتراجع منظومة كاملة تضم الحرفي والورشة والمواد الخام والسوق والمستهلك.

فإذا اختفى الحرفي، لن يكون من السهل إعادة إنتاج الخبرة نفسها. وإذا تراجعت الورش، ستزداد المنتجات المستوردة والمقلدة. وإذا بقيت الأسعار خارج قدرة المستهلك، سيتحول المنتج الشعبي تدريجياً إلى سلعة نخبوية.

بين الماضي والمستقبل

في دمشق، ما تزال بعض واجهات المحال القديمة تحمل صفوفاً من المسبحات، وفي حلب يحاول حرفيون الحفاظ على ما تبقى من أسرار المهنة، بينما تظهر على شاشات الهواتف صفحات جديدة تعرض قطعاً تراثية أمام جمهور لم يعد مضطراً إلى زيارة السوق لشرائها.

بين المكانين، تبدو المسبحة السورية أمام خيارين: إما أن تبقى حبيسة الذاكرة، أو أن تعيد اكتشاف نفسها كحرفة قابلة للحياة في اقتصاد جديد.

وربما لا تحتاج هذه الصناعة إلى العودة إلى شكلها القديم بقدر حاجتها إلى تطويره؛ فالحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل منحه فرصة جديدة للاستمرار.

وبينما تكافح الأسواق السورية الركود وارتفاع الأسعار، تبقى المسبحة واحدة من تلك المنتجات الصغيرة التي تختصر حكاية أكبر: حكاية حرفة تحاول النجاة من اقتصاد الحرب، ومن اندثار اليد التي صنعتها، ومن سوق يتغير بسرعة أكبر من قدرة أصحابها على التكيف.

- Advertisement -

- Advertisement -